السُنّة كبُناةٍ للدولة… لا كأقليّة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طارق المبيض

باتت الشعبويّة السمة الأساس للخطاب السياسي في لبنان خلال السنوات العشر الأخيرة.

هذه الموجة وجدت أرضاً خصبة لها في بلد ينافس دول افريقيا الوسطى بمعدلات الفساد وانعدام الشفافية في العمل العام. ولم يعد لدى القوى السياسية شيء تقدمه بعد افلاس الدولة سوى العزف على الوتر الطائفي.

 يتحدث سعد الحريري عن وقف العد مستعيداً عبارة والده الشهيرة، فيرد مستشار رئيس الجمهورية بالمنطق نفسه ولكن مع التأكيد أنه لا الحريري ولا غيره يحق له الحديث عن هذا الموضوع.

 حفلة الجنون هذه تستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والناشطون العونيون يفتحون آفاق مخيلتهم لنظريات جديدة لم يأتِ عليها أحد من قبل، وهي أنه هناك تمايز ثقافي بين المسيحيين “المتعلمين” و”المسلمين” الذين لم يصلوا لهذه المرحلة بعد…

وكما في كل الحفلات التي تحدث حيث يعلو صوت الموسيقى الصاخبة لدرجة يؤخذ بها العقل فيتوقف عن التفكير، تنجرّ بيئاتٌ الكترونية_ طائفية الى ذات المنطق، فتضيع في هذه الحفلة الألحان الوطنية التي عزف عليها اللبنانيون في السابع عشر من تشرين من سنة 2019.

المنطق الشعبوي يبعد الخطاب الوطني

وكان من اللافت خلال السنوات الأخيرة انجرار بعض النخب السنية الى منطق الشعبوية، أي منطق الأكثريات والأقليات. هذا المنطق الغريب عن البيئة السنية أقله حتى مرحلة احتلال العراق، يزيد اتساعه اليوم لدى القواعد الشعبية انطلاقاً من منطق المظلومية الذي رافق الحرب السورية، والهزيمة التي مُني بها النظام العراقي من قبل، اضافة الى عوامل محلية منها ضعف التمثيل السني في السلطة والخيارات الخاطئة لذلك التمثيل على مستويات انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل الحكومات وتآكل الحضور على مستوى الادارة العامة، والفقر المدقع الذي يعيشه الثقل السني الديمغرافي في الشمال.

الثورة وتظهير الخطاب الوطني للسنة

 لكن هذا الخطاب الشعبوي الداعي الى اعتماد منطق الأقليات والأكثريات، وإن كان يظهر على لسان البعض الا أنه غير متأصل في وعي السنة الجماعي، ولا يمكنه أن يتحول الى حقيقة خلال المرحلة المقبلة، والدليل هو ما حصل بعيد انتفاضة 17 تشرين حيث كانت هذه البيئات في جميع المناطق اللبنانية أكثر البيئات خطاباً وطنياً لا طائفياً، وكانت مطالبها مطالب حداثية بامتياز.

يكفي أن نعود الى شعارات التظاهرات في طرابلس مثلاً، لنجد العمق الحداثي للمنتفضين بمطالبتهم بدولة مدنية، وتشديدهم على حقوق “اللبنانيين”، والتركيز على رفع العلم اللبناني وحده، وترديد الأغاني والشعارات الوطنية غير الطائفية.

ولنكن واقعيين اكثر. ما كانت حكومة سعد الحريري الممثل الأول للسنة في لبنان لتسقط لولا المظاهرات الكبيرة التي حصلت داخل البيئة السنية، ولو لم يكن مطلب هؤلاء الأول اسقاط الحكومة باعتبارها حكومة سيئة بعيداً عن منطق المقامات الطائفية التي بدأت تظهر حتى لدى بعض المنتفضين بعد اسقاط الحكومة.

في مخيلة السنة لا خوف من الآخر

هذا الخطاب الوطني للسنة، والذي تبلور بسبب  غياب المشاريع العربية مع وفاة عبد الناصر سنة 1970، وضمور المقاومة الفلسطينية وانسحابها من بيروت عام 1982، والتخلي بطبيعة الحال عن فكرة الالتحاق بسوريا بسبب الخصومة مع نظامها السياسي… هذا الخطاب يعود الى لبنان بوصف السنة مواطنين في دولة يتساوون بالحقوق والواجبات مع أقرانهم.

فلا يمكن تحويل السنة الى أقلية كما يحلو للبعض في ساعة انفعال أن يصرِّحوا، ففي المخيلة الجماعية للسنة ليس هناك خوف من الآخر، وهذا له أسبابه التاريخية والديمغرافية، لذلك ليس هناك توجه حقيقي وعميق بالتعامل مع الآخر كأقلية. حتى ولو كان هناك افقار وتهميش.

ومن غير المقبول أن ينجرّ بعض النخبويين لدعوة السنة كي يتكلموا بمنطق الأقلية، لأسباب بديهية وهي أن الخطاب الأقلوي في الوطن العربي هو خطاب ظهر في عهد السلطنة العثمانية للحديث عن حقوق المسيحيين في الدولة التي كان مذهبها الرسمي الإسلام.

امتيازات الأقلية أيام السلطنة

 بدأ هذا المنطق مع الامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية للدولة الفرنسية عامي 1553 1535 في عهد سليمان القانوني ومن حق الفرنسيين في حماية رعايا الدولة العثمانية الكاثوليك، وفي عهد السلطان مراد الرابع الذي أعطى الفرنسيين حق حماية بيت المقدس. وتوالت الدولة العثمانية كذلك في اعطاء الامتيازات لكل من انكلترا وهولندا لحماية أقليات اخرى… وهكذا أصبح على اراضي الدولة العثمانية مواطنون أجانب لهم حقوق ليست للمواطن العثماني نفسه.

وأصبح لدى الأقليات الدينية المسيحية في الدولة العثمانية شعور بأنهم ينتمون الى فرنسا وروسيا وانكلترا أكثر من انتمائهم الى الدولة العثمانية، أو للمجتمع العربي الذي تعرض لهزات متتابعة خلال الحقبة العثمانية من الناحية الاجتماعية بفعل غياب الوعي القومي أو تغييبه.

فساهمت تلك الامتيازات بزيادة الشرخ بين مكونات المجتمع في بلدان المشرق العربي، وانقسم المواطنون في بلاد الشرق بين كاثوليك محميين من فرنسا والنمسا، وأرثوذوكس محميين من روسيا ودروز من بريطانيا، ومسلمين (شيعة وسنة) ينتمون الى الدولة الأم، لكنهم لا يجدون من امتيازات اخوانهم شيئاً، مع اضافة أن الشيعة لم يكن لديهم اعتراف رسمي من قبل الدولة العثمانية كمذهب مستقلّ، مما زاد في معاناتهم مع الدولة بطبيعة الحال مع عدم وجود دولة راعية لهم.

“الشيعة” كأقلية تحظى برعاية

لذلك كان الموقف الشيعي الطبيعي ضد الدولة العثمانية، لكنه في المقلب الآخر لم يندرج ضمن فكرة منطق الأقليات بسبب غياب الدولة الراعية. لكن الوضع تغيّر وبالتحديد في لبنان بعيد الاستقلال، مع دخول الشيعية السياسية بقوة الى اللعبة السياسية اللبنانية وكسرها منذ ذلك الزمن وحتى اليوم مروراً بانتصار الثورة الخمينية في ايران عام 1979، الثنائية اللبنانية السنية-المارونية، ليصبح هناك مثالثة في الحكم، ظهرت بشكل جليّ بعد اتفاق الطائف وخلال مرحلة 1992-2000 فيما سُمّي آنذاك الترويكا اللبنانية التي شكل مثلث أضلاعها الياس الهراوي ورفيق الحريري ونبيه بري.

منذ انتصار الثورة الاسلامية في ايران، حظيت الشيعية السياسية في لبنان بما شعر به مسيحيوه خلال فترة الحكم العثماني من وجود دولة اقليمية راعية لهم، تقدم لهم المساعدات التعليمية والتنموية وتدعِّم موقفهم السياسي والعسكري في لبنان، فحدا ذلك بتلك الشيعية السياسية الى تبني مفهوم “الأقلية” التي تسعى لإثبات وجودها ضمن البحر السني العربي الديمغرافي. (وهذا مبحث بحاجة الى توسعة لكن موضوع المقالة لا يسمح بذلك).

السنة اذن في هذا المشرق بحكم تركيبتهم الإجتماعية التي تجعلهم الأغلبية، وشعورهم بأنهم “أم الصبي” بمعنى الطرف الأساس المعني باقامة الدولة، لا يمكنهم أن يكونوا أقلية، لأنهم ببساطة ليسوا أقلية. هم الاكثرية التي تستطيع أن تبني الدولة.

الأقليات من مسؤولية الأكثرية

في علم السياسة هناك مُسلّمة واضحة لا يختلف عليها الباحثون السياسيون، وهي أنه اذا كانت هناك مشكلة أقليات في دولة ما فان مسؤولية ذلك تقع على الأكثرية. وهذا صحيح.

السنة في لبنان والعالم العربي الذين يشكلون فيه الأغلبية فشلوا منذ مرحلة التحرر وحتى اليوم ببناء الدولة، وهذا ما سمح للدول الأخرى ان تتدخل في المجتمعات العربية تقسيماً بحجة دعم الأقليات الدينية.

عندما تكون هناك دولة مواطنة يشعر بها الانسان أنه مساوٍ لغيره بالحقوق والواجبات بغض النظر عن انتمائه الديني أو المذهبي أو العرقي، وان هذه الدولة تحميه وتؤمن له سبل العيش، فلن يحتاج بعدها الى حماية خارجية ولا الى مساعدات وحدائق وتحالفات. وبطبيعة الحال لن تستطيع الأقلية بناء الدولة، بل الأكثرية هي المسؤولة عن ذلك. السنة كمجتمع ونخب بالتحديد مسؤولون عن اقامة الدولة المدنية اليوم قبل الغد، حينها فقط ينتهي منطق الأقليات والأكثريات، ويظهر منطق المواطنة والانتماء الى المجتمع والدولة.