ما نفع السياسة وآلاف اللبنانيين يبحثون عن فتات الطعام في النفايات؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – فاطمة علي الموسوي*

طرح المفكر والدبلوماسي الإيطالي، ميكيافيلى، منذ عدة قرون مسألة الفصل التام بين القيم الأخلاقية وممارسة السياسة.

 وقد تبنت الغالبية الساحقة من المجتمعات الغربية مبادئ المدرسة الميكيافيلية هذه وفصلت بين عالمي السياسة والأخلاق بالنسبة لما تقوم به الدولة وأنظمة الحكم وما تصدره مؤسسات التشريع.

 ونتج عن ذلك قبول عام بأن القيم الأخلاقية التي تنطبق على الأفراد ليس بالضرورة تنطبق على السياسي. فإذا كان الكذب والخداع والمراوغة مثلا صفات غير حميدة وغير أخلاقية بالنسبة للفرد العادي، فإنها ليست بالضرورة كذلك بالنسبة للسياسي الذى قد يضطر أن يمارسها إذا اعتقد أن ممارستها هى من أجل الصالح العام.

لكن تبني هذه المدرسة قد أدى إلى إفساد الكثير من أنظمة الحكم الديموقراطية، أو  تلك  التي  تدعي  الديمقراطية وعلى رأسها الدولة اللبنانية! ، التي ينطبق عليها ما أبرزه المؤرخ وعالم الاجتماع ابن خلدون “كيف أن الدول قامت على العصبية والغلبة وليس على مقدار ممارسة المبادئ الأخلاقية فى الحكم”.

من هذا المنطلق، يشهد لبنان انحرافا سياسيا خطيرًا تمثل بخروج فاضح لرجال السياسة عن المبادىء الوطنية والأخلاقية. حيث أصبح الإنحراف السياسي اليوم ظاهرة شائعة في الدولة والمجتمع اللبناني، فالمصلحة الفردية فوق كل مصلحة، والاستئثار بالسلطة هو الهدف الاول والاخير!

 آخر الأحداث اللا أخلاقية التي تحصل في لبنان، أن المقاعد الوزارية التي شغلت السلطة السياسية، تخطت في أهميتها معاناة الشعب اللبناني، الذي بات يرزح تحت خط الفقر فاقدا لأية وسيلة أو قدرة للمواجهة من أجل البقاء والاستمرار..

هي قصة تشكيل الحكومة اللبنانية التي تحولت الى ما يشبه الفيلم السينمائي، أبطاله أمراء الحرب والطوائف المنهمكين بتدمير المجتمع اللبناني وتجويع شعبه واذلاله، تحضيرا لمرحلة جديدة قادمة تدعى الانتخابات النيابية بشعاراتها الإنمائية والاصلاحية والتنموية..

 الا أن هذه الشعارات والاتفاقيات والمؤامرات، سقطت أمام عدد كبير من كبار السن يقبع على الطرقات وفي أزقة الشوارع بحثاً عن فتات طعام. كما أنها سقطت أمام أطفال يفترشون الأرصفة تحت الجسور، حفاة، عراة، يتخذون من أماكن رمي النفايات مأوى لهم.

بناء عليه، نرى بأن التجاذبات السياسية في لبنان باتت تشبه الحالات التي نصادفها يومياً على الطرقات، والتي لا نأبه لمعظمها، هي حالة مرضية مستعصية فقدت قيمة وجودها على المسرح السياسي والاجتماعي، أمام قضية بقاء الانسان وحقه في الحياة والرعاية وتأمين أبسط الحقوق.

وعليه، ما نفع السياسة وآلاف اللبنانيين يبحثون عن فتات الطعام في النفايات، ويتوسلون مبالغ زهيدة من اموالهم المنهوبة، من الدولة والمصارف وتجار الدم المتورطين في تهريب أموالهم إلى الخارج وهم متفقون على عدم إجراء أي تدقيق قد يفضح ويكشف عن أكبر عملية سرقة في التاريخ..

في هذا السياق، لم يعد مجديا الحديث عن الصراع السياسي في لبنان، طالما أنه صراع على السلطة والتسلط على الشعب، والتحكم بموارد البلد وأرزاق مواطنيه..

كما لم يعد ينفع الحديث عن هذه الطبقة السياسية الطائفية المرتهنة للخارج أمام هول الكارثة الاجتماعية التي تختلف مقاربتها علميا وسوسيولوجيا عن أية ظاهرة أخرى..

هي سياسة القتل الممنهج للشعب اللبناني أمام عشرات الخطابات السياسية الفارغة من الضمير الانساني والاخلاق.. هي الخطابات الساقطة دائما أمام تجويع اللبنانيين، أمام الأزمة في البنزين، في الطحين والخبز، في الكهرباء، في المازوت والغاز..

هل يعلم العالم أن الشعب يعاني من أزمة في الدواء؟ خاصة أدوية الأمراض المزمنة! هل يعلم العالم أن المواطنين اللبنانيين يشحذون علبة حليب الأطفال المفقودة من الصيدليات؟ هل تعلم المنظمات الحقوقية أنه في لبنان الارتفاع الأكبر في الأسعار هو على السلع الغذائية المحتكرة من كارتلات ترفع الأسعار بطرق ملتوية، علما بأنه بحسب البنك الدولي فإنّ الأسعار في لبنان هي أغلى بنسبة 30 في المائة من أي بلد في المنطقة.

وبالتالي، عن أية سلطة نتحدث او اي حكومة او انتخابات او أحزاب وكتل نيابية وفساد؟

لذا على الشعب اللبناني أن يعيد التفكير بوجوده، واعادة انتاج نفسه على مبدأ الانتماء للوطن وليس للطائفة! والا سنبقى نأكل الفتات حيث لا تنفع الكلمات!.

*باحثة اجتماعية