البطالة في العالم العربي: أسبابها، تأثيراتها وكيفية القضاء عليها

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – نبيه العاكوم

تعد البطالة من أهم المصطلحات التي ترافقت مع بزوغ نجم الحداثة في أوروبا. وقد أجمع كثير من المؤرخين وعلماء الإجتماع والسياسة، أن من أسباب إندلاع الثورات الأوروبية بعد الثورة الصناعية، هو إرتفاع مؤشر البطالة.

 منذ اندلاع الثورة الصناعية والنزوح الذي رافقها من الريف إلى المدن، كانت تتطلع الشعوب إلى إيجاد فرص عمل، ومع عدم إيجادها، أصطُلِح على مبدأ “التحشيد الاجتماعي” والتي سببت خروج الشعب الى العمل السياسي  والإنخراط  في العملية السياسية.

وفي ظل عدم وجود أحزاب منظمة وقوية تستوعب هذا الكم الهائل من المثقفين والمتعلمين، حدث نوع من إنعدام الأمن والإستقرار، فاندلعت الثورات. ويؤكد ذلك المفكر الأميركي هنتغتون في كتابه “النظام السياسي لمجتمعات متغيرة”، بقوله: “المثقفون وأنصاف المثقفين، العاطلون عن العمل، قد يشكلون إمتدادا للحركات المتطرفة”.

إن المشكلة التي سنواجهها في كتابة البحث عن البطالة في الوطن العربي، هو أن معظم الإحصاءات والأرقام ليست دقيقة في مختلف الأقطار العربية، بسبب تدخل عامل السياسة لأسباب باتت معروفة، حماية حكمهم أمام التحديات القادمة.

لذا سنحاول قدر الإمكان، الإعتماد على الأرقام الأكثر منطقية من مراكز أبحاث وجمعيات بعيدة عن تأثير القرار السياسي فيها. ولا يغيب عن إدراك المتابع، أنه لو نجح النظام السياسي في حجب الحقيقة عن الناس، إلا ان المشكلة موجودة ولا يمكن تجاهلها بتاتا.

فما هي نسبة البطالة في العالم العربي؟ ما هي أسباب البطالة؟ ما هو تأثيرها؟ ما هي نتائجها؟ وهل يمكن الحد من خطورتها؟

إن الغوص في الأرقام والإحصاءات لمؤشر البطالة في العالم العربي مهم جداً، ويجب أن يكون من أولويات كل نظام عربي. فقوة النظام السياسي تأتي من قوة المجتمع، وقوة المجتمع تعتمد على ثبات عناصره والعيش الرغيد الذي تنعم به العامّة.

الهدف من هذا البحث إثبات ترهل المجتمعات العربية، وأن “الإرهاب” و”التطرف” من أهم أسبابهما البطالة على سبيل المثال لا الحصر، ومن نتائجه ضعف الأنظمة العربية، والإقتراب نحو دائرة خطرة جداً تهدد مجتمعاتنا وأنظمتنا ودولنا، بل وتاريخنا أيضاً.

البطالة بوابة للرادايكالية

تكمن أهمية البحث في الإعتماد على الدراسات التي أجرتها الإدارة الأميركية على سبيل المثال بعد أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١، والتي أثبتت بالأرقام والإحصاءات والتحقيقات، أن عامل البطالة هو الدافع الأساسي لإلتحاق الشباب العربي بالمنظمات الراديكالية.

وقد استعانت الإدارة الأميركية حينها، بقيادة بوش الثاني، بتلك الدراسات التي أوصت بضرورة محاربة آفة البطالة في العالم العربي، كاستراتيجية لاحتواء الإرهاب والتقليل من نسبة المنخرطين في فصائله.

هذه الإستراتيجية تقولبت ضمن مجموعة من التوصيات التي اقتربت أن تكون “مشروع الشرق الأوسط الكبير”. بالإضافة إلى توصية “دمقرطة العالم العربي”، ومشاركة المرأة في الحكم، والمجتمع المعرفي، أوصت الدراسات إلى ضرورة دعم الطبقات الفقيرة والمتوسطة بالمال من خلال تسهيل القروض لإنشاء شركات صغرى ومتوسطة، من هدفها التقليل من نسبة البطالة. فاعتماداً على التحقيقات، تبين أن الإنخراط في الفصائل الراديكالية يتقدمه العاطل عن العمل.

وإستناداً إلى إحصاءات رصدها الموقع الرسمي لـ”البنك الدولي” من سلسلة بيانات حول البطالة في العالم، ومستقبل فرص العمل بين الشباب، تبين أن العالم العربي يتصدر الدول التي تعاني من أزمة البطالة، مع وجود تباين في الأرقام بين الدول الخليجية النفطية وباقي الدول. ونشر الموقع دراسة تستند على أرقام “منظّمة العمل الدولية” تبيّن نسب البطالة في العالم، وكيفيّة توزّعها على البلدان. تشمل البيانات أرقام صادرة العام ٢٠١٤، ولم تُحدَّث بعد، لكنّها كافية لتعطي صورة عن الواقع، خصوصاً في العالم العربي.

تتصدّر ليبيا نسب البطالة مع ٤٨.٩٪؜، تليها موريتانيا بنسبة ٤٦٪؜. وفي فلسطين، زادت نسب البطالة خلال العقدين الماضيين ١٩.٩٪؜، إذ كانت تبلغ ٢٢.٨٪؜ العام ١٩٩١، وصارت ٤٢.٧٪؜ في العام ٢٠١٤. وفي مصر زادت نسب البطالة نحو ١٢.٦٪؜ خلال العقدين الماضيين، إذ ارتفعت النسبة من ٢٩.٤٪؜ في العام ١٩٩١، لتصير ٤٢٪؜ في العام ٢٠١٤. كذلك الأمر بالنسبة لسوريا التي زادت فيها نسب البطالة بنحو ١١.٦٪؜ خلال الفترة الزمنيّة ذاتها. وتعدّ نسب البطالة في ليبيا وموريتانيا ومصر بين الأعلى على صعيد العالم.

أما في قطر، فتكاد البطالة أن تكون معدومة، ويشكّل العاطلون عن العمل ١.٣٪؜ من نسبة القوى العاملة الشابة. أما في السعودية فإنها تصبح “بطالة طوعية”، لأسباب خارجة عن موضوع البحث، ونسبتها تتراوح بين ٢٦ و٣٠٪؜ ولكنها بالمحصلة تصب نحو النتائج نفسها للبطالة العادية.

أخذ عيِّنة من العالم العربي، طرابلس – لبنان:

في دراسة أعدتها “اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا” (الاسكوا) بالتعاون مع “برنامج الامم المتحدة الانمائي” ووزارة الشؤون الاجتماعية، عام ٢٠١٥، للبحث في مستويات المعيشية لمدينة طرابلس في لبنان، ظهرت أرقام صادمة عن حجم الفقر والفقراء ونسبة البطالة داخل احياء المدينة وأزقتها.

بحسب دراسة الاسكوا فإن نسبة البطالة بين الشباب الطرابلسي تعدت ٥٠٪؜، أما ارتفاع هذه النسبة، وقد نستفيد منها في كيفية معالجة المشكلة، فيعود الى عدة أسباب، الأول دخول العمالة الأجنبية الى السوق المحلية بأسعار زهيدة، ومنافسة بعض الحرف والتجارات الصغيرة، وثانياً تدني نسبة التوظيف في القطاعات العامة والخاصة الى أقل من ٣٠٠ فرصة عمل في العام الواحد، وثالثاً حجم النزوح من الريف إلى المدن للركوب في موجة تحصيل الشهادات العلمية دون وجود سوق عمل يستوعبهم.

يمكننا أن نستنتج من ذلك لماذا هذه البؤرة في لبنان يمكنها أن تكون أرض خصبة لخروج الشباب إلى الفصائل الراديكالية.

 الأحداث الأخيرة التي حصلت في طرابلس تعكس منطقياً ارتفاع مؤشر البطالة، والطبقة السياسية تتحمل المسؤولية كاملة، خاصة مع انتهاج سياسة عزل المدينة لأسباب تتعلق بالثورة السورية.

ماذا عن التوصيات الدولية؟

يمكن الإعتماد على الدراسات والتوصيات التي خرجت من مراكز الأبحاث في الدول الغربية للقضاء على البطالة في العالم العربي، ذلك أن ارتفاع مؤشرها أصبح يؤثر على الأمن والسلم الدوليين. فالتوصيات والإقتراحات تخرج من أسباب تفشي هذه الظاهرة الخطيرة، كالحد من دخول اليد العاملة الأجنبية إلى السوق المحلية، ومحاولة إيجاد فرص عمل تكفي للأعداد الكبيرة التي تتخرج من المعاهد والجامعات بمساعدة الأنظمة في الخليج، وتسهيل إنشاء شركات صغرى وكبرى، وتشجيع الزراعة في الأرياف وحماية محصولهم عبر توفير أسواق له، وتشجيع الحرفيين والفنيين، وغيرها طبعاً.

ولا يمكن إستثناء الدور الأكاديمي في الحد من انتشار البطالة، فتسهيل إعطاء الشهادات بعد الإنتشار الكثيف للمعاهد والجامعات غير الكفوءة يزيد من هذه الأزمة. يقول أحد المؤرخين الإنكليز دايفد ابرنييتي، وقد نقل كلامه المفكر الأميركي هنتنغتون: “المملكة المتحدة شرعت في تنفيذ مخطط التصنيع وزيادة الإنتاج اولاً، والتعليم المجاني ثانياً. لأنه يجب أن تكون هناك أعمال كي يتسلمها المتعلمون الجدد … يجب أن نكون حذرين حيال خلق مشكلات سياسية ناتجة عن البطالة في المستقبل”.

لا يمكن الحد من انتشار الفكر المتطرف في المجتمعات العربية دون إيجاد حل لمشكلة البطالة، فمحاربة السبب كفيل في إعطاب هذا المحرك وتجفيف المنابع التي يتغذى منها، خاصة الشباب العاطل عن العمل، وقود محركها.