بين بكركي وحارة حريك من نختار؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

شهد الصرح البطريركي يوم السبت الفائت حدثاً استثنائياً سيكون له وقع كبير وتأثير بالغ على الساحة السياسية.

 فالحشود الكبيرة التي تقاطرت الى بكركي، وخطاب البطريرك القاسي والصريح في آن معاً، سيدخلان لبنان في مرحلة جديدة من النزاع السياسي، بين حزب الله ومشروعه الهادف الى تحويل لبنان الى منصة تدور بالكامل في الفلك الايراني، وبين البطريركية المارونية التي دخلت الى الحلبة السياسية بقوة وعزم، رافعة شعار تحييد لبنان عن جميع المشاريع الاقليمية، واستعادة الدولة والشرعية من الأسر، وهو الأمر الكفيل بتوحيد القوى السياسية المتنافرة والمبعثرة تحت عباءتها.

على هامش لقاء بكركي، هناك نقطتان يجب التطرق اليهما وانعاش الذاكرة حولهما:

اولا: مسؤولية بكركي وسيدها عن تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد.

لا بد من التذكير بأن البطريرك الراعي يتحمل قسطا من المسؤولية عن الحال التي وصلت اليها البلاد. فنداءات سيد الصرح وعظاته التي تدرجت من التحذير الى المطالبة وصولاً الى اتهام النخب السياسية الحاكمة وتحميلها مسؤولية الأزمات المتلاحقة خاصة رئاسة الجمهورية، لا يمكنها حجب او اغفال ان رئاسة ميشال عون بدأت من بكركي تحديداً. كيف ذلك؟

عندما احتضنت بكركي اجتماع أقطاب الموارنة الأربعة داعمةً حصر أهلية الترشح للرئاسة فيهم، “راعيةً” شعار الرئيس القوي، قاطعةً الطريق على جميع المرشحين خارج نادي الأربعة، مما عبد الطريق أمام حصول اتفاق معراب، ومن ثم تبني الحريري لترشيح عون للخروج من شرنقة الفراغ الرئاسي.

ثانياً: دور الصرح التاريخي وحصانة سيده.

دائما ما امتلك سيد بكركي حصانة دولية منحته حضوراً استثنائياً في الحياة السياسية، وبالتالي قدرة على احداث تغيير سياسي، وهو الأمر الذي لا يقدر عليه رجال الدين في الطوائف الأخرى المسيحيين منهم او المسلمين.

واذا عدنا بالذاكرة قليلا الى الوراء نستذكر البطريرك صفير، الذي لم تفلح جميع الضغوط التي مورست عليه، والاغراءات التي أفردت امامه، في ثنيه عن قرار مقاطعة النظام السوري طيلة خمسة عشر عاماً.

وفي الأساس لولا بكركي لما قام لبنان الكبير، هذه حقيقة تاريخية. فالبطريرك الحويك لعب دوراً كبيراً ومؤثراً في ظهور الكيان بحدوده المعروفة، بل يعد الحويك “صانع” الجمهورية اللبنانية بشكلها الحالي، على الرغم من وجود نخب مسيحية وازنة في تلك الفترة كانت تميل الى تأسيس دولة تكون وطناً قومياً للمسيحيين، وعملت على اقناع الفرنسيين بالتخلي عن بعض المدن ذات الأكثرية المسلمة التي تم ضمها للكيان.

مكانة بكركي

ومن المفيد التذكير بحادثة نقلها ريمون اده عن والده اميل اده، ان رئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمنصو استقبل البطريرك الحويك على مضض بعد رحلة شاقة قام بها الأخير، من أجل تثبيت حدود لبنان الكبير، بسبب نفور كليمنصو الشديد من رجال الدين، حتى انه رفض مصافحته، فتدخل مساعدو كليمنصو ومستشاروه، واقنعوه بمصافحة الحويك والاستماع اليه نظراً لمكانته الدينية والسياسية، وهو الأمر الذي لم يحظ به احد من رجال الدين في لبنان وسوريا، مما يدل على مكانة بطريرك الموارنة لدى الدول الكبرى.

 كما ان كتاب مسعود ضاهر عن مراسلات البطريرك عريضة مع السلطات الفرنسية كفيل بالاضاءة على اهمية بكركي وتأثير سيدها في قرارات الدولة المنتدبة على لبنان.

والوقائع تفيد أنه طيلة مئة عام انقضت من تاريخ لبنان الكبير، كان بطريرك الموارنة حاضراً استثنائياً في كل المحطات المفصلية التي شهدها لبنان، من البطريرك الحويك الى الراعي مروراً بالبطريرك عريضة والمعوشي وخريش وصفير وسواهم، لم تكن بكركي يوماً مقراً دينياً عادياً، او حكراً على الموارنة، بل كانت دوماً مهداً لتحولات كبرى على الساحة السياسية، ولهذا السبب تحديداً يرتفع فوق الكرسي البطريركي شعار “مجد لبنان اعطي له”.

من هنا يجب النظر الى اهمية قيادة بكركي للصراع حول هوية لبنان، فالدار التي لم تنحنِ امام العواصف والأنواء التي تعرض لها لبنان، والدار التي لم تنجح الوصاية السورية في كسرها او لي ذراعها لن تكون لقمة سائغة امام حزب الله ومشروعه.

لكن المواجهة لن تكون سهلة، فالحزب يشعر انه بعد مسيرة طويلة من الكفاح والصبر، بات على بعد أمتار قليلة من ابتلاع البلد بكامله وتطويع قياداته السياسية واعادة تكوين نظامه السياسي بما يتلاءم مع المشروع الايراني الكبير.

لذلك كان من الطبيعي ان يسارع الى دفع اذرعه الدينية المتنوعة للتصدي لخطاب البطريرك الراعي والتنديد به، كما انه من المتوقع ان يشن حملة تخوينية هائلة ضد الراعي. فالحلم بات اليوم اقرب من اي وقت مضى، ولن يسمح حزب الله ولن يتساهل مع كل عقبة تعترض طريق تحقيق هذا الحلم – الكابوس بالنسبة الى باقي اللبنانيين – وسيعمل على استخدام كل اسلحته الناعمة والخشنة لافشال مشروع بكركي.

وعندما تشتد العاصفة، لن يكون بامكان اي فريق سياسي البقاء في الوسط، مهما كانت دوافعه ومبرراته، سيكون عليه الاختيار اما مشروع لبنان ذو الوجه الايراني، واما مشروع لبنان التاريخي الذي تقوده بكركي.

 لبنانان لا يمكن لهما ان يلتقيا فأيهما نختار؟؟ الجواب سهل أليس كذلك؟.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s