عن الرجل الذي أذلّه العهد الرئاسي وأبكاه

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – عتاب أبو زكي

روى لي صديقي فقال: العهد الرئاسي الكارثي دمرنا، أعادنا الى الوراء سنوات ضوئية…تعالي لأحدثك عن معاناتي اليومية كما معاناة الناس. قلت: تفضل.

فقال: هجرتنا الكهرباء وأحالت ليلنا الى سواد بسواد، تقنين على التقنين من وزارة الطاقة، وتقنين موازٍ من صاحب المولد..واذا انقطع التيار الكهربائي انقطعت المياه في بيتنا…وعندما أفتح عيني صباحا على هذه “الصبحية” أرسم بيدي خط سير نهاري..

أصعد في السيارة متوجهاً الى العمل، فأعرّج على اقرب محطة محروقات، فأشاهدها عن بعد مكفهرة لا حياة فيا، أنتقل من محطة الى اخرى، عساني أنعم ببعض من البنزين المدعوم لأروي به ظمأ مواسير السيارة، أزور المحطة الأولى والثانية والثالثة، حتى أرسو في واحدة ممن يكتظ طابور المنتظرين أمامها، فأصبح واحدا منهم، لا استجابة لقانون الكره انما استسلاما لواقع ما عادت لدينا القدرة على مواجهته، ورغم ذلك يصر صاحب المحطة على فتح ممر واحد للسيارات واقفال الممرات الثلاثة الاخرى لاسباب مجهولة، يبدو انه يتلذذ أن يذلنا على قارعة الانتظار.

يحين دوري بعد ما يقارب الساعة، ابتسم في وجه عامل المحطة واقول له املأ الخزان فيسارع الى الرد “تنكة وحدة بس” اي صفيحة ذات عشرين ليتراً.

 أخرج من المحطة متوجها الى وظيفتي، أصل متأخرا، يستقبلني المدير بالتقريع، أحاول أن أفتح فمي وأشرح له سبب التأخير فلا يترك لي فرصة. يهددني بالطرد من الوظيفة في حال تكرر التأخير، أجلس على مكتبي مستشعراً طعم الذل المكثف الذي ينتشر في خلايا جسدي، أعزي نفسي بأن البلد في أزمة وأن ما يحصل هو نصيبي منها.

 بعد ساعتين يستدعينا المدير ليخبرنا أن الحوافز والامتيازات الصحية والتعليمية لم تعد موجودة، وانه في حال استمرت الأزمة واشتدت فقد تضطر الشركة الى تخفيض رواتبنا كخطوة اولى، ومن ثم التخفيف من عدد الموظفين تباعاً، فخزينة الشركة خاوية.

أنقل نظري بين الموظفين الذين يقومون بالمثل، مستهجنين ما نسمعه، ممتنعين عن الاعتراض، تاركين الكلام عالقا في حناجرنا، مخافة الطرد من الوظيفة.

لا نكاد نخرج من مكتب المدير حتى ينطلق الكلام من الثغور كرشاشات هادرة، الكل يتحدث في نفس الوقت، لا أحد يسمع للآخر، لكن الموضوع واحد، كيف تقوم الشركة بايقاف المخصصات وباقي الامتيازات، وكيف تريد خفض رواتبنا، ونحن الذين نعلم ونرى بأعيننا حجم أعمالها الذي لم يتأثر بالأزمة، كنا نتحدث فيما بيننا في الأيام السابقة عن ضرورة زيادة الراتب الذي انخفضت قيمته ولم يعد يساوي شيئا في ظل ارتفاع الدولار، وكيف ان الشركة تصر على قبض ثمن مبيعاتها بالدولار حصراً ودون ان تتنازل عن سنت واحد من ارباحها، حتى انها في كثير من الأحيان تضع تسعيرة للدولار تفوق سعر السوق الموازية تحسبا لارتفاعه خلال النهار.

عوضا أن تقوم الادارة بزيادة رواتبنا في هذا الظرف العصيب، تستغل الأزمة كي تفرض علينا ساعات دوام اضافي، دون بدل طبعا، تقبض بالدولار وتعطينا الرواتب بالليرة، مبيعات يوم واحد باتت كفيلة بتغطية رواتبنا ومبيعات يومين آخرين يغطيان تكاليف الشركة.

حتى الراتب الزهيد أصبحنا نحصل عليه بالتقسيط على دفعتين، يا الهي كم جار الزمان علينا.

أدخل الى محلات البقالة للتزود بمونة البيت، الأسعار جنونية، الذريعة دائما سعر الصرف، ارتفع الدولار ٥٠٠ ليرة فازدادت الأسعار ٣٠٠٠ ليرة وبعضها أكثر، بات لزاما على رب الأسرة مثلي من أصحاب الدخل المحدود الإنتقال من دكان بقالة الى آخر في ماراتون يومي لا ينتهي للبحث عن أسعار أفضل، ناهيكم عن المواد المقطوعة والتي يزداد عددها كل يوم، أرضخ للبديل المتوفر أيا كان مستواه، أتخلى مرغما عن مواد اعتدت ابتياعها، فالراتب لم يعد يكفي.

أتوجه نحو الصيدلية لشراء حليب وحفاضات لطفلي، أجد كيس الحفاضات وقد تضاعف ثمنه مرات ومرات، أطلب ارخص نوع متوفر، اما الحليب فهو مقطوع، أدور من صيدلية الى أخرى، الجواب نفسه، أتوسل الى الصيادلة أن احصل لو على عبوة صغيرة، فالطفل لا يزال في أشهره الاولى، وبالكاد تأقلم جسده الضعيف الرقيق مع هذا النوع من الحليب. لكن لا التوسل ولا عرض دفع أي ثمن مقابل عبوة الحليب يجدي نفعا، لا حليب لطفلك…

أخرج من الصيدلية التي لم أعد اذكر كم رقمها بين الصيدليات التي زرتها، اشعر بالدنيا تدور امام ناظري، وطنين حاد في اذني، لم اعد ارى شيئاً سوى كتل من السواد.

أصل الى المنزل منهكا محطما، اضع ما احمله كيفما اتفق، وأسرع الى صغيري الذي يبكي، اضمه بشدة الى صدري، والدمع ينهمر من عيني كالشلال، القهر بلغ مني مبلغاً لم أعد اقوَ على الصمود أمامه، أبكي بكاء مريراً علّ الدمع يغسل احزاني، ابكي على طفل عجزت عن تأمين عبوة حليب له، أي أب هذا الذي لا يستطيع تأمين غذاء لطفله؟ ما ذنب هذا الطفل البريء كي يدفع ثمن ولادته في هذا الوطن المعذب منذ نعومة أظافره؟ وأي مستقبل ينتظره والطعام بات حلما وكابوسا في ان مع؟.

لا أمل ولا أمان ولا مستقبل في وطن الغربان السوداء التي تقتات من دماء المواطنين، أشعر بالعار كوني احمل هوية لبنانية.

 المودة، الألفة، التضامن، الثقة، التكافل، كلها كلمات وشعارات لم يعد لها مكان في قاموس اللبناني، حري بنا ان نستبدل الأرزة في العلم بشعار الدولار، حيث يذوب الكل في حضرته، ويحرصون على الاخلاص في خدمته… مهما كان الثمن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s