“البطاقة التمويلية”…الدولة في أبهى تكاذبها

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

في ظل الازمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها لبنان اليوم، وبمعزل عن ضعف الحكومة الحالية في تأدية الدور المطلوب منها وعجزها عن القيام بواجباتها في هذا الظرف الدقيق والحساس، لا يعد فشل الدولة في تأدية وظائفها الاجتماعية امرا مفاجئا، فقد شهدت مسيرة الدولة اللبنانية “المئوية” الكثير من المحطات المشابهة، والتي تدل على غياب مفهوم العدالة الاجتماعية من قاموسها بسبب بنية النظام والنموذج الاقتصادي المعتمد منذ قيام الكيان، حيث لم يخل عهد من المظاهرات والتحركات المطلبية للنقابات والعمال للمطالبة بحقوقهم الغائبة.

لبنان واليبرالية المتطرفة

فالكيان اللبناني ظهر الى الحيز الوجودي بفضل نخبة مختارة من رجال الاعمال. وقد تبنت تلك الفئة الليبرالية السياسية والاقتصادية كفلسفة للدولة. لكن ليبرالية النظام كانت “ليبرالية متطرفة” وفق تعبير الدكتور توفيق كاسبار في كتابه “اقتصاد لبنان السياسي”، لانها تحصر دور الدولة في تنظيم “وتسليك” العلاقات التجارية والمصالح الاقتصادية للنخبة اياها، ولأن  البعد الاجتماعي غاب كليا في وظيفة الدولة بالنسبة للمؤسسين، وبقي كذلك لغاية اليوم.

لذا فشلت الدولة في أزهى عهودها في مواجهة أزمات أقل بكثير من الازمة الحالية. منها على سبيل المثال، عندما فاض نهر قاديشا في طرابلس في خمسينيات القرن الماضي، وجرفت السيول البشر والحجر، ماذا فعلت الدولة؟

أمثلة عن فشل الدولة في معالجة أزماتها

قامت بانشاء مساكن متواضعة على بعض المشاعات في احدى ضواحي المدينة، واسكنت فيها الأسر المنكوبة والتي فقدت منازلها. من اجل ذلك سميت تلك الضاحية “بالمنكوبين”، كما قامت بتعميق مجرى النهر بشكل فوضوي ماحية بذلك جزءً هاماً من ذاكرة المدينة التاريخية ووجهها الثقافي (يشبه مشروع سقف النهر الذي تم منذ عدة سنوات)، مع وعود باعادة اعمار المساكن وعودة الأسر – وهو ما لم يحدث ابداً – دون مشروع او برنامج.

حدث ذلك في وقت كانت الدولة لا تعاني من عجز مالي، بل على العكس لديها فائض في السيولة بفضل عوائد النفط التي تم استقطابها الى المصارف اللبنانية وكذلك الثروات التي فرت من التأميم في عدد من الدول العربية.

نظام أسس على قياس رجال الأعمال

نظامنا الذي يقدس الحرية الفردية بشكل مبالغ فيه على حساب اي شكل من اشكال العدالة الاجتماعية، تم تأسيسه وفق مقاييس رجال الاعمال المالية، حيث تشكل المصارف حجر الزاوية فيه، قوامه الاستيراد المفرط الذي ينتج ثروات لطبقة اوليغارشية، ومواطنين يعتبرون مستهلكين فقط، وقطاع عام اشبه بمستودع للموظفين.

فلا دور للدولة على الصعيد الاجتماعي على الرغم من ان الليبرالية نفسها شهدت تحولات جذرية خلال القرن الماضي حيث ظهر مفهوم الليبرالية الاجتماعية الذي يدعم حق الدولة في التدخل لتحقيق مصلحة مواطنيها الأقل انتفاعًا من الحرية الاقتصادية، وهو المفهوم المعتمد في الدول الليبرالية الكبرى التي ندعي تقليدها.

وقد يحاجج البعض انه طيلة المائة سنة التي انقضت من عمر لبنان، كانت برامج الحكومات المتعاقبة تزخر بالخطط الاجتماعية، الا ان  هذه البرامج بقيت حبراً على ورق، او تم تطبيقها بشكل استنسابي، وهي كانت تعد اساساً من اجل استجلاب الاموال والمساعدات من الخارج، وليس بهدف معالجة الازمات الاجتماعية، ولم تحقق تغييرا في المعادلة الاجتماعية، فمثلا ما هي نتائج مشروع العائلات الاكثر فقراً الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية والمدعوم من البنك الدولي؟ كيف تمت الاستفادة من الاموال التي خصصت للمستشفيات الحكومية؟

رفع الدعم “الشر الذي لا بد منه”

لذلك وبالنظر الى بنية الدولة وتاريخ المنظومة المالية والاقتصادية، والارث الهائل من الاحجام والفشل في الحقل الاجتماعي، لا يمكن التعويل على مشروع البطاقة التمويلية الذي يتم التداول به في أروقة الحكومة منذ مدة في مقابل خطوة رفع الدعم عن السلع التي يتم تمويل استيرادها من احتياطي مصرف لبنان بالعملة الصعبة.

فمع انخفاض حجم الاحتياطي بشكل سريع للغاية في الشهور الماضية، باتت خطوة رفع الدعم “الشر الذي لا بد منه”. وعلى الرغم من حصول الحكومة على قرض من البنك الدولي بقيمة 246 مليون دولار، وكذلك 50 مليون دولار من الاتحاد الاوروبي، مخصصة لدعم العائلات اللبنانية، لا يزال مشروع البطاقة التمويلية محط صراع وتجاذب بين اعضاء الحكومة والقوى الداعمة لها، ويبدو من مداولات الوزراء انه من الصعب للغاية ان يتم اقراره واحالته على المجلس النيابي في القريب العاجل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s