الوجه الآخر للعنف ضد المرأة في لبنان!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – رندة أحمد عبد الكريم

اللبنانية زينة كنجو، من بلدة السنديانة في عكار، قُتِلت خنقًا في منزلها في منطقة عين المريسة في العاصمة بيروت..

 هذه الظاهرة الخطيرة التي استدعت المقاربة العلمية السوسيولوجية والنفسية لظاهرة العنف ضد المرأة، بوجوهها الجديدة والغريبة والخطيرة.. نظرا لأهميتها في تخريب المجتمع، وتشويه صورة الأسرة اللبنانية، التي باتت مهددة بأية لحظة لحالات عنفية واجرامية، وصلت حدودها الى الخنق والقتل وعشرات الاساليب من التعنيف والتعذيب..

هي الظاهرة الغريبة، المستجدة، بالشكل والمضمون طالما انها لم تعد مقتصرة على المختلين عقليا، ولا على المظلومين اقتصاديا، بل باتت تطال كافة اطياف المجتمع اللبناني، وصولا الى المثقفين والميسورين.. ما أدى الى تهديد أمن وكيان الأسرة اللبنانية، في مجتمع يعاني ما يعانيه من ازمات سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية، كان آخرها جائحة كورونا التي زادت من نسبة التعنيف بسبب الحجر المنزلي..

العنف ضد المرأة بأشكاله المختلفة، يرتبط ارتباطا وثيقا بظاهرة العنف عامة، التي تعكس الجانب الإنحرافي المهدد لامن واستقرار المجتمع. الا أن العنف ضد المرأة يؤدي إلى حالات أكثر خطورة طالما انه يطال النصف الذي لا يكتمل من دونه النصف الآخر في المجتمع، على كل المستويات التربوية والاجتماعية والاقتصادية.. ولانه يطال المرأة فهو قادر على خلق أشكال مشوهة من العلاقات الاجتماعية، وأنماط السلوك المضطربة داخل الأسرة وخارجها.

وإذا كان العنف هو ممارسة القوة بغرض الإضرار بالغير، فإن مفهوم العنف ضد المرأة في لبنان، يعني الانتقال الى مراحل متقدمة من العلاقات الزوجية والأسرية المشوهة، التي تحتاج الى البحث والتحليل.. خاصة ان الدولة اللبنانية وعلى الرغم من القوانين والدستور واللجان المختصة، هي شبه غائبة عن متابعة المرأة وقضاياها من ناحية، وبعيدة كل البعد عن ايجاد الحلول النهائية لملاحقة المعنفين ومحاسبتهم من ناحية ثانية..

ولهذه الأسباب وغيرها، يشهد المجتمع اللبناني طفرة في حالات العنف من خلال ممارسة القوة الجسدية بالضرب أو ممارسة العنف المعنوي كالإهانة والتجريح.

أما الحالة الشاذة هنا، فهي مقاربة الأسباب التي تدفع الى العنف ضد المرأة.. التي لم تعد محصورة بواقع اجتماعي او اقتصادي او حتى نفسي.. وكأننا أمام عنف معولم متطور، بات يشبه الموضة التي ترغب فيها الطبقة العليا في المجتمع، ولم يعد يقتصر على الفئات الشعبية، والفقراء، والعاطلين عن العمل وسواهم..  وعلى الرغم من اعتبار العنف ضد المرأة تعبيرا واضحا عن قمة الضعف والعجز عن التواصل، وعدم قبول لغة الحوار والإقناع. الا اننا أمام حالات أخرى.. تبين بوضوح القوة والتصميم والتخطيط للعنف.. لا بل تنفيذه بأساليب جديدة اكثر تطورا واكثر جاذبية للافلام السينمائية والاخبار التلفزيونية والروايات الخيالية. 

لاشك أن ظاهرة العنف ضد المرأة اللبنانية، لها أسبابها، وعواملها، وتداعياتها المجتمعية والبيئية، ولا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمجتمع اللبناني، الذي يعرف في هذه المرحلة التاريخية تحولات في بنيته السياسية والاجتماعية والثقافية. الا ان ما يحصل، فاق العقل والعلم والنظريات والمفاهيم.. ولم نعد ندرك عن أية اسباب نتحدث ولا عن كيفية الوصول الى نتائج واضحة علمية تبين حقيقة العنف واسبابه.

الرجل مفطور على العنف؟

أما المقاربات السوسيولوجية المفسرة لظاهرة العنف ضد المرأة، تبدأ من المدخل البيولوجي، الذي يحاول إرجاع سلوك العنف إلى عوامل بيولوجية بحتة، حيث يرون أن الرجل بطبيعته التكوينية والبيولوجية يميل أكثر إلى استخدام العنف، وهذا ناتج عن زيادة في مستوى هرمون التستوسترونtestostérone- عند الرجل. ويقر أصحاب هذا المدخل أن الرجل يولد عنيفا بطبعه بسبب التركيبة الفسيولوجية، ومن ثم يمارس العنف على غيره، وعلى المرأة بشكل خاص. فهذا المدخل يدعم فكرة ممارسة العنف ويبررها، على اعتبار أن الرجل يولد على هذه الفطرة.

وقد سادت هذه الفكرة طويلا، وغذت الكثير من الأفكار والمعتقدات، وأصبحت شائعة في كل الأوساط. إلا أن البحث العلمي تطور في هذا المجال، وتمكنت الأبحاث والدراسات الطبية من الوصول إلى اكتشاف عدم وجود ارتباط بين سلوك العنف وبين زيادة مستوى هرمون التستوسترون. إن هذا المدخل تجاهل العوامل الثقافية والاجتماعية في تفسير ظاهرة العنف ضد المرأة.

أما المدخل الثاني فهو المدخل السيكولوجي( النفسي )

الذي يذهب فيه اصحابه إلى تفسير ظاهرة العنف بإرجاعها إلى أسباب كامنة في شخصية الفرد، وليست خارجة عنه. ويؤكد أصحاب هذا المدخل أن الطفل يمر في حياته بتجارب قاسية، تولد لديه سلوكيات عدوانية لها تأثير هام على سلوكه في المستقبل، لتصبح هذه السلوكيات العدوانية -مع مرور الزمن- جزءا لا يتجزأ من شخصيته. ويرى أصحاب هذا المدخل أن السبب يعود في كثير من الأحيان إلى فقدان الطفل في المراحل الأولى من حياته الحب والحنان من طرف الوالدين، الأمر الذي يولد عنه سلوك عدواني يعوض من خلاله هذا النقص العاطفي. إذن فالتجربة غير السوية التي يمر بها الطفل هي أساس الانحراف، حيث تخلق لديه اضطراب واهتزاز في شخصيته.

فالمرأة التي يمارس عليها العنف منذ الصغر يصبح لديها اعتقادا أنها إنسان يستحق التصرف معه بالعنف، وتتدعم هذه الفكرة من خلال الثقافة والمعتقدات السائدة. إلا أنه يمكن القول أن ممارسة العنف لا يرتبط  في كل الأحوال باضطرابات في شخصية الفرد، فكثيرا ما تساندها ثقافة المجتمع ولا تقف ضدها. من هنا فإن محاولة المدخلين السابقين في تفسير ظاهرة العنف ضد المرأة تبقى قاصرة ومنقوصة بسبب إهمالهما للعوامل الثقافية والاجتماعية التي تشكل أساس الفهم السوسيولوجي لظاهرة العنف ضد المرأة..

 أما المدخل الثقافي الاجتماعي،  فيؤكد اصحابه ان الثقافة بكل عناصرها ومضامينها تحدد السمات الأساسية لأي مجتمع، والثقافة السائدة في المجتمع المعاصر، أو المجتمع الحديث تتسم بالتسلط والعنف. وهذه الثقافة تنتقل إلى الأفراد، وإلى طريقة تفكيرهم، فيكتسبونها عن طريق مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية ووسائل الإعلام المختلفة. ويأتي على رأس هذه المؤسسات الأسرة، فالمدرسة ثم المجتمع الكبير.

دور الأسرة

 وتعد الأسرة كمؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية أول بيئة تستقبل الطفل، وأقوى بيئة في التأثير على حياته، وفي بناء وتكوين شخصيته وتشكيلها. وإذا كانت الأسرة تقوم بعملية الإعداد والتهيئة للحياة الاجتماعية، فهي المسؤولة عن عمليات التلقين والتطبيع الاجتماعي للفرد، وهي المسؤولة كذلك عن نقل ثقافة العنف للأطفال.

ماذا يقول علماء الاجتماع عن هذا الأمر؟

في هذا الصدد يرى “تالكوت بارسونز” أن الوالدين أثناء تفاعلهما مع الطفل لا يقومان بأدوارهما الشخصية، بل يؤديان أدوارا ينظمها المجتمع، كما لا يحكم سلوكهما قيم شخصية، بل يمثلان قيم المجتمع السائدة أثناء تفاعلهما مع الطفل  “فإذا كان المجتمع يؤمن باختلاف أساليب التربية الموجهة للذكور، وأساليب التربية الموجهة للإناث، فإن عملية التنشئة الاجتماعية في هذه الحالة تتم وفق نمطين اجتماعيين مختلفين كثيرا ما تنظر للذكر بأنه الأقوى، وله حق التسلط، في حين أن الأنثى ينظر إليها على أنها الأقل شأنا، ومن ثم ينطبع سلوك كل منهما بطابع خاص”. من هنا فإن استعمال العنف ضد المرأة يكمن في انتشار ثقافة العنف وقبولها من طرف المجتمع بمختلف مؤسساته، الأمر الذي يترتب عنه إعطاء حد أدنى من الشرعية لاستخدام العنف، وخاصة العنف ضد المرأة.

 في هذا السياق يذهب “M.A.STRAUSS-ستروس” إلى القول أنه “يصبح هناك حدا أدنى من الاتفاق الضمني بين أفراد المجتمع على تأييد استخدام الأزواج للعنف مع زوجاتهم” وفي هذه الحالة يكون المجتمع أكثر تسامحا مع الذكر، الأمر الذي يرسخ هذا النمط في أذهان الناس، وفي معتقداتهم وتصوراتهم.

وبناء على ما سبق يرجع أصحاب هذا المدخل الثقافي الاجتماعي تفسير ظاهرة العنف ضد المرأة إلى انتشار ثقافة العنف وتدعيمها من طرف المجتمع عبر مؤسساته المختلفة. فأسلوب التنشئة الاجتماعية هو الذي  يمنح للرجل القوة وحق التسلط، ويعد ذلك  في تصورنا  من أهم الأسباب الجوهرية المؤدية للعنف ضد المرأة .

صعوبة الوصول الى تفسير واضح للعنف

بناء عليه.. وعلى الرغم من عشرات الدراسات التي قاربت هذه النظريات والمداخل السوسيولوجية في تفسير ظاهرة العنف ضد المرأة في المجتمع اللبناني، من خلال تحديد الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، ودورها في توليد وتكوين العنف، ومختلف المقاربات  المفسرة لها.. الا اننا في هذا المقال لن نستطيع الوصول الى تفسير واضح ومثبت وموثق، نستطيع من خلاله، ان نفهم كيف يستطيع زوج قتل زوجته بدم بارد دون ان يرف له جفن.. وان كانت هنا اسباب موجبة رجعية متواجدة في العقل الذكوري اللبناني.. كالخيانة واخواتها..

ما يجعلنا نطرح نظرية مختلفة تبين اختلاف النظرة الى العنف في بلد كلبنان.. يدعي احترام الانسان وحقه في الحياة، ويدعي احترام المرأة وحريتها .. لنرى بوضوح العنف بصور وأشكال متعددة ومختلفة، تخطت العنف الجسدي كالضرب والجرح المتعمد، والاغتصاب..والحرق.. والعنف اللفظي كالسب والشتم والإهانة،  لنرى العنف في الخنق والقتل وابشع الصور الاجرامية.. لنراه في الصمت وفي الكلمة.. في الخفاء وفي العلن.. في غرفة مغلقة او امام الاطفال.. هو العنف الذي تخطى الحدود الاخلاقية والانسانية والدينية والبشرية.. فلا شرع ولا قانون استطاع ان يضبط هذا النوع من العنف الذي بات يتهدد كل بيت وكل اسرة وكل امرأة..

 احصاءات العنف تنذر بخطورة هذه الظاهرة

وعلى الرغم من انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة التي تعتبر من أخطر الآفات الاجتماعية الراهنة في أغلب مجتمعات العالم، الا انها في المجتمع اللبناني باتت تنذر بكارثة حقيقية، خاصة ان المؤشرات والارقام باتت تعكس درجة خطورة هذه الظاهرة من حيث تزايدها وانتشارها على نطاق واسع. فقد ازداد انتشار السلوك العدواني في كثير من المناطق اللبنانية بتنوعها، ولم يعد بالامكان الحديث عن المجتمع اللبناني العام بأنه يمتاز بنوع من الهدوء والاستقرار والطمأنينة، طالما ان العنف ضد المرأة بات شيء طبيعي يمر مرور الكرام على شاشات التلفزة لتحقيق نسبة عالية من المشاهدة.. دون ان يساهم احد في وقف النزيف الذي تخطى الجسد ليصل الى الروح الانسانية واهمية الانسان ووجوده…

وعلى الرغم من أن سلوك العنف غير مقبول ويتنافى مع القيم الروحية والدينية في لبنان، البلد المتنوع في طوائفه ومذاهبه، إلا أن الأبحاث والدراسات تؤكد تنامي هذه الظاهرة وتفشيها بطريقة مقلقة ومخيفة عند كل الطوائف وكل المذاهب دون استثناء.. ما يشير الى عمق الازمة في البنية الاجتماعية والطائفية اللبنانية.. حيث نعيش في بلد لا يقدم لشعبه الا الوعود الوهمية بانصاف المرأة وحمايتها.. ولا يبرع الا بتكليف الوزارات المعنية بشؤون الأسرة وقضايا المرأة بالدراسات والمؤتمرات والارقام حول العنف ضد المرأة، والنتيجة ان لا سياسات ولا قرارات مصيرية تحمي المرأة وتمنع تعنيفها..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s