ما دور مرفأ طرابلس بالأحداث الأخيرة؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – جواد العلي

يوم الاحد الماضي، وفي حمأة هذه التوترات، وصلت الى مرفأ طرابلس سفينة الحاويات الضخمة (طولها 300 متر) “تينو” teno الى حوض الحاويات، وبذلك، أصبح مرفأ طرابلس رسمياً محطة محورية للخط البحري في شرق البحر المتوسط، لنقل البضائع للسوق المحلية اللبنانية، ومحطة لتخزين الحاويات ومن ثم تحميلها على سفن صغيرة لنقلها إلى موانىء أخرى. سعت ادارة المرفأ الى الاحتفاء بهذه النقلة النوعية، فقامت بتعميم الخبر على الوسائل الاعلامية لكن لهيب الحرائق طغى على الحدث..لكأنه مكتوب على هذه المدينة أن لا تفرح.

الأمر عينه شهدناه عقب انفجار مرفأ بيروت في الرابع من اب الماضي، كان مرفأ طرابلس البديل الطبيعي عنه. فجأة ظهرت مجموعة من العراقيل التي أثيرت عمدا لمنع مرفأ الفيحاء من القيام بمثل هذا الدور، كما ذهب البعض الى مذهبة وتطييف القضية وتعالت الأصوات التي تطالب بمرفأ لكل طائفة!! الى ان تم اعادة تشغيل ما تبقى من مرفأ بيروت ومحطة الحاويات فيه.

والجدير بالذكر هنا انه عندما استقطب مرفأ طرابلس في السنوات الأخيرة القسم الأكبر من النشاط التجاري مع تركيا، قامت السلطات اللبنانية باصدار قرارات غريبة لتحجيم حركة المرفأ الذي حُكم عليه البقاء ظلا لمرفأ بيروت.

لماذا تتعامل الدولة بسلبية مع مرفأ طرابلس؟

يكمن الجواب في فلسفة الدولة اللبنانية منذ قيامها، حيث يعد تهميش جميع مدن الأطراف وموانئها ومرافقها سياسة رسمية اعتنقتها الدولة منذ التأسيس. فالنخبة البرجوازية التجارية التي تشكل الدولة المالية العميقة ارست نموذجا اقتصاديا يقوم على التجارة الخارجية من استيراد ووساطة وترانزيت، مع مركزية شديدة التطرف تجعل بيروت وقسماً من ساحل جبل لبنان محور النشاط الاقتصادي مع اهمال تام ومتعمد للأطراف، وقد تمت صياغة هذا النموذج الاقتصادي بشكل يجعل مرفأ بيروت الرئة التجارية والاقتصادية للدولة. اما مرفأ طرابلس، فقد كان العامل الرئيسي في حسم لبنانية مدينة طرابلس رغما عن انف اهلها، خوفا من تحوله الى مركز النشاط التجاري للمدن السورية على حساب مرفأ بيروت.

هذا ويحفل تاريخ لبنان بالعديد من المظاهرات والتحركات الشعبية المؤثرة التي تقف خلفها الدولة المالية العميقة لخدمة اهدافها ومصالحها المالية ولضمان ديمومة العوائد الضخمة التي تحصل عليها. نعرض منها مثلين اثنين فقط:

الاول، سلسلة من اضرابات عمال النقل بين عامي ١٩٣١ – ١٩٣٥ ضد شركة الجر والتنوير (النقل المشترك)، دعمتها صحيفة لوجور الرائدة في ذلك الوقت، ووقفت خلفها احدى ابرز الاسر الاوليغارشية اللبنانية التي تمتلك اسهما في الصحيفة، ولديها توكيل لشركة اميركية للشاحنات، ومالكة لشركة نقل بري كبيرة وكانت ترغب بامتلاك شركة الجر والتنوير.

الثاني قرار انشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عام ١٩٦٣، ووضعه موضع التنفيذ ونشره في الجريدة الرسمية في ايلول من العام نفسه، لكن الصندوق لم يبدأ عمله فعلياً لغاية عام ١٩٧١ بسبب المعارضة الشرسة من اركان الدولة العميقة الذين لم يرغبوا في منح الاجراء والموظفين اي شكل من اشكال التغطية الصحية.

كما قامت الدولة المالية العميقة عبر اذرعها المتغلغلة في مؤسسات الدولة، والمهيمنة على القرار الاقتصادي فيها، باعاقة كل الخطط التي هدفت لتطوير موانئ المدن الساحلية خاصة طرابلس.

وليس من المستبعد ان تكون هي من تقف خلف ليالي طرابلس السوداء. فبين سطور هذه التحركات يوجد خيط رفيع يربط هذا الشغب المفتعل بالتحول النوعي لمرفأ طرابلس. فالدولة المالية العميقة لا يمكن لها ان تقبل بتحول مرفأ طرابلس او غيره من مرافئ الساحل مركزا لنشاط تجاري اقليمي على حساب نظيره البيروتي، لذلك حركت اذرعها الامنية لاثارة الشغب وحرق المقرات الرسمية بغية تصويرها مدينة عاصية ومتمردة وخارجة على الشرعية، وايصال رسالة الى الشركة الفرنسية المسيرة للخط البحري الدولي الذي أصبح مرفأ طرابلس احدى محطاته البارزة، ان طرابلس غير مؤهلة لمثل هذا الدور، وان مرفأ بيروت هو المرشح الطبيعي له.

قد يبدو الأمر صادما وخياليا بعض الشي، لكن الدولة المالية العميقة لديها من الأساليب الخبيثة والصادمة ما يجعل المصادفة أمرا صعب التصديق او على الأقل مثار شبهات وظنون.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s