ميقاتي اذ يحمل السلاح…

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مصطفى العويك

يرى بعض المهتمين بدراسة أحوال النفس وفي طليعتهم مؤسس علم النفس التحليلي سيغموند فرويد أن “القلق الموضوعي” هو “القلق الناتج عن إدراك المرء لخطر محدق يتهدده، فيكون له في هذه الحالة وظيفة إعداد الفرد لمقابلة هذا الخطر بالقضاء عليه أو تجنبه أو اتباع أساليب دفاعية إزاءه”.

إنطلاقا من هنا يمكن قراءة ردة فعل الرئيس نجيب ميقاتي الأخيرة حول ما حدث في طرابلس، وإعلانه الإستعداد لحماية مؤسساته بنفسه في حال عجزت القوى العسكرية والأمنية إنجاز ذلك. فهو قرر عدم التغاضي عن القلق انما اتخاذ أساليب دفاعيه تجاهه.

بطبيعة الحال الرئيس قلق، على جامعته الأغلى في المدينة، وقصره البحري فيها، على مكاتبه المنتشرة في أكثر من حي وشارع، التي من خلالها يقدم “المونة” للناس، وماذا تريد الناس بعد أكثر من ذلك؟. قلق على مستوصفاته التي تؤمن الأدوية من الجمعيات الخيرية في بيروت وسواها، ومن وزارة الصحة، وتبيعها للناس بمبلغ زهيد، قلق على المستشفى التي اشتراها وحولها الى مستودع لجمعية العزم والسعادة، قلق على ممتلكاته ومبانيه ومؤسساته التي تضم حوالي 1800 موظف، يقومون بعملهم خدمة لمشروعه وسياسته غير الواضحة المعالم، وهو قلق غريزي ناجم عن شعور صاحبه بنوع من الاستهداف قد يطاله في شخصه او ماله او ممتلكاته، وهو حال أي فرد من أفراد المجتمع، الذي يستشعر القلق وتنتابه نوبات من الخوف عندما يرى خطرا يتهدده.

لكن ما نسيه الرئيس ميقاتي أنه ليس فردا عاديا من أفراد مجتمعه، هو ممثلهم في الندوة البرلمانية ووزيرا أسبقا في حكومتهم المركزية، ورئيسا لها على دورتين، فكيف له أن يساوي نفسه مع مواطنين منحوه ثقتهم ليتحدث باسمهم ويدافع عن مصالحهم ويحميها؟ هل يعقل ان يكون خطابه موازيا لخطاب تاجر في السوق العريض على سبيل المثال؟ او بائع قهوة متنقل يطالب الرئيس ان يستثنى من قرار الحجر لأنه يعيش بما تكسبه يده يوميا؟

سقط ميقاتي في حديثه هذا بالمحظور، ظهر للرأي العام انه ضنين على ممتلكاته دون ممتلكات الآخرين، لا تعنيه اذا أحرقت طرابلس وتصاعد الدخان فوق سراياها ومبنى بلديتها، وتحولت محكمتها الشرعية خراب، كل هذا لا يدفع الرئيس الى حمل السلاح والذود عن مدينته، لكن “اياكم أن تقربوا من مؤسساتي الشخصية عندها ستجدوني شخصيا على الأرض بيدي بندقية حربية ورمانات يدوية ومدافع ودبابات اذا اقتضى الأمر،.. فمن مات دون ماله فهو شهيد…”.

طبعا ما قاله ميقاتي أثار حفيظة البعض ممن اعتبروا كلامه دعوة صريحة للأمن الذاتي، وعابت بعض القوى السياسية  الأخرى على أبو ماهر كلامه هذا على اعتبار انه يقدّم نفسه “رجل دولة” ومؤسسات، ووسطي مهنته فض الاشتباكات بين طرفين، والتوسط بين تطرفين، وحكما بين متحاربين، فكيف للحكم أن يحمل السلاح؟ وأي سلاح هو أمضى: المناداة بالدولة لحماية الناس؟ أم التهديد بالأمن الذاتي لحماية الممتلكات الخاصة؟

والبعض منهم رأى في كلامه التصعيدي محاولة لاستيعاب ما جرى وعدم تكراره، ورسالة الى من قد يعنيه الأمر من أهل السياسة والأمن ان الاستمرار في التعاطي مع الفيحاء على هذا القاعدة لا يجوز ان يستمر، وان ذلك سيدفع ناسها الى خيارات لا يرتضونها لكنهم سيجبرون عليها.

أما شعبيا فقد دغدغ ميقاتي شعور فئة من الطرابلسيين توغل في الحديث عن “مظلومية” المدينة، وترى ان لا حل “لشعورنا بالدونية الا عبر تصعيدنا الخطاب السياسي والطائفي وحمل السلاح”، وهذا كلام يأخذنا الى دربين: الأول، توتير الاجواء واستجلاب الفوضى والذهاب نحو الانهيار الكبير، والثاني: ايجاد نوع من التوازن السياسي الداخلي القائم على أسس هشة سريعا ما تتداعى، ويصبح التعامل الامني مع المدينة مقدما على أي تعامل آخر.

فيما اعتبرت النخب الطرابلسية ان الدعوة الى ما يشبه الأمن الذاتي يفتح المجال لكثيرين من الحاقدين على المدينة ان يستعيد خطاب الكراهية تجاهها، ويمنحهم ذريعة اضافية للتآمر عليها وتشديد التعسف الأمني بحقها.

هي أيام طرابلس العجاف، مدينة فارغة من القيادات، ورجال سياسة “قلقين” على مصائرهم وكراسيهم وممتلكاتهم وأموالهم، والمدينة لديهم “ويك إند” لا أقل ولا أكثر…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s