جان عبيد…فلترتدِ ثوب العافية دائما

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مصطفى العويك

تعرفت على جان عبيد باكرا جدا من دون أن أراه، ربما في عمر الثانية أو الثالثة، أحببته كثيرا، لعبت في أراضيه الشاسعة والواسعة، تنزهت في باحة قصره، وتنعمت بالنظر الى المناطق المجاورة له بسهولها الخضراء وجبالها الصخرية، ومعه وعبره كان اللقاء الأول مع مدينة طرابلس…لقاء لن ينتهي أبدا.

جان عبيد بالنسبة لنا نحن سكان البلدات المتاخمة لقصره، الرجل الكريم صاحب مدينة الملاهي الطبيعية الممتدة على طول الاراضي التي يمتلكها، هنا ساحة لكرة القدم، وهناك نتزحلط عبر الجلول، وهذه الزاوية من الأرض محط مقصدنا اليومي للتنزه والغذاء في الطبيعة، يقابلها مساحة أخرى لصيد العصافير…جان عبيد كان لنا فرح لقاء الأصدقاء ومغامرة الجولات الشبابية في جبل تربل، شجاعة الإقدام والتحدي والصبر ومعاندة الكوارث الطبيعية والعواصف..كنا هناك في كل الأوقات، كانت هذه البقعة الجغرافية بيتنا النهاري، لم نكن نعرف أن الدنيا تتكون من مناطق أخرى سواها، كانت مدى مفتوحا على سرور منقطع النظير، نراه اليوم انقطع الى أجل غير مسمّى.

عبر قصره كان اللقاء الأول مع طرابلس، سألت والدي يومها عن تلك المياه المقابلة ما هي؟ وأين هي؟ وما تلك البيوت الكثيرة على الجهة الشمالية من مكان وقوفنا، فأجابني: “انها طرابلس، وهناك الميناء عند البحر.”…لم أكن أدرك أني مع الأيام سأحب الفيحاء الى هذه الدرجة وأكون ولدا بارا بها، ذلك لأنها ارتبطت لدي بطفولتي وبداية ادراكي للأشياء، وكان السؤال عنها من باحة قصر جان عبيد.

ورغم كل هذه العلاقة المتينة مع أرضه، لم أره اطلاقا، كنت أسمع في بلدتي أنه محب وبشوش ويتواصل مع كل الناس، وأنه رجل سياسة من صفة “الأوادم”، كان ذلك في منتصف التسعينيات، كان يتحدثون عنه كثيرا وكنا نحن وأبناء جيلي نحب حيزه المكاني كثيرا، كان ناطور أرضه المزروعة المجاورة للقصر صديق والدي وصديقي لاحقا، المرحوم سعدالله جلول، كان والدي يصعد بنا اليه كل يوم تقريبا، وكنا نُسعد بكثير أحاديثه وتركيب أفلامه ونكته، فكنا على احتكاك يومي مع رموز جان عبيد ان صح التعبير لا مع شخصه، وكانت هذه الرموز مصنع فرح وفقاسة آمال.

اللقاء الأول والأخير معه كان إبان انتخابات 2009 النيابية، في منزل الصديق الشيخ صفوان الزعبي، يومها دعانا الزعبي كناشطين ومهتمين بالسياسة الى جلسة حوارية مع المرشح عن المقعد الماروني في طرابلس جان عبيد، تلقائيا لبيت الدعوة، وعادت بي الذاكرة الى أيام الطفولة، خاصة واني كنت إبتعدت عن ذكرياتها بفعل الانتقال الى طرابلس والعمل وما الى ذلك. كان مرشحا منفردا آنذاك، لا لوائح إنتخابية ولا حملة إعلامية، دخل علينا بإبتسامة محببة، وأناقة لافتة، لا حرس ولا من يحرسون، ولا ضجة ولا من يضجون، تواضع في الدخول وحرارة في التسليم، وشوق ظاهر في العيون، وأدب جم يظلل كل ذلك.

أذكر جيدا يومها أني تعرفت بدقائق على ما كنت أجهله لسنين، بدأ شيخ من الجالسين بكلمات افتتاحية، مرحبا بالضيف العزيز الخلوق المتسامح، الذي نكن له ويكن لنا كل آيات الود والمحبة، وأراد أن يمدحه أكثر فذكر آية من القرآن الكريم، حاولت استرجاعها لكني لم أفلح.  أنهى الشيخ كلامه وحوله الى الضيف، فأكثر من الشكر على الدعوة وعبر عن سرور واضح في اللقاء، وقبل أن يبدأ الحديث في السياسة، فاجئني وربما بعض الحاضرين، بأن قال اسمح لي يا شيخ قبل البدء بالسياسة أن أمدحك والحاضرين بنص الآية التي مدحتني بها مع أني لا أستحق، ورتّل الآية المذكورة، فانتبهنا جميعا أنها غير التي قالها الشيخ، فاتضح لنا ان الشيخ فاتته بعض الكلمات ولم ينتبه لذلك الا عبيد الذي اعاد تلاوتها كاملة دون أن يقاطع الشيخ كي لا يسبب له الحرج.

كان المشهد صاعقا لي صراحة، المرشح المسيحي يحفظ القرآن ويصحح لشيخ من مشايخ المسلمين، لم نعتد على مثل هذه الواقعة في بيئتنا اطلاقا، وزاد المشهد في غرابته حين راح يتحدث عن علاقته بالمسلمين وخاصة في طرابلس، مشايخها ومساجدها، حتى لتكاد تحسبه عالما من علمائها، شعرت بنفسي يومها أني صاحب مجد، ومنتصر في معركة من المعارك، ارتفعت فجأة معدلات الثقة بالنفس لدي، وأني ابن الفوار جارة علما مسقط رأس عبيد، وان طفولتي عشتها في جوار قصره، عندما انتهى اللقاء سارعت اليه مذكرا اياه باسمي وأني من محيطه، ففرح كثيرا وضمني اليه وقال:” نحن من رائحة واحدة”.

هكذا عرفت جان عبيد في طفولتي، وفي بداية تشكل وعيي السياسي، وبعدها ازددت معرفة به من خلال القراءات السياسية في الكتب، والحصول على بعض مقالاته في مجلة الحوادث، وعرفت من يكون فعلا هذا الشخص والقيمة المضافة التي يشكلها في السياسة والأدب والعلاقة مع الآخرين.

يرقد اليوم سعادة الوزير الأسبق والنائب الحالي جان عبيد، في العناية المشددة بعد اصابته بفيروس كورونا، صحته غير سوية، كل من عرفه وخبره يتمنى له الشفاء العاجل، وأن يعود ليكمل دوره في الاتصال والتواصل والتعبير الحقيقي عن العيش الواحد بين اللبنانيين.

بالسنبة لي مرض عبيد هو من مرض الوطن، وتداعي صحته تشير الى الانهيار الكبير الذي ينتظرنا، علمتنا التجارب ان تداعي الكبار ورحيلهم إشارة لتداعي الأوطان وانهيارها، تحدث عن ذلك فلاسفة كثر، وذكر ابن خلدون في مقدمته هذا الأمر بالتفصيل…كان جدي لأمي يردد دائما على مسامعي: “لما يموت صاحب الأرض بتموت الأرض معو”، كنت أظنه يهذي لكبر سنه، لكن بعد أن توفاه الله بعام واحد فقط، يبست أشجار اللوز خاصته، وتراجع موسم الزيتون، والتراب لبس الأسود، حتى الجدران التي عمرها بيده من الصخور بدأت لوحدها تتداعى…وتداعى بذلك جزء يسير من طفولتنا.

لذا أخاف أن يموت جان عبيد، رغم أني مؤمن بأن الموت حق، أخاف ذلك لأني أحب طفولتي وأحبه، ولأن وفاته ستعجّل صعودنا نحو الهاوية، فبلد ليس جان عبيد فيه ماذا يمكن أن يكون، وأي شيء يمكن أن يساويه؟ ولأن العقل سيخفت وهجه، وسيتسيّد الجنون ويكون الباص الذي ينقلنا على عجل الى جهنم…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s