من المواقف الوطنية لأمير البيان شكيب أرسلان

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – الدكتور ماجد الدرويش

الذي يقرأ مؤلفات الأمير شكيب أرسلان يدرك الموسوعية التي كان عليها، فهو أديب، ومؤرخ، وفقيه، وشاعر، وناقد سياسي من الدرجة الأولى، فتراه يستغل أية سانحة تلوح من خبر، ولو كان تاريخيا، ليعبر فيها عن مقاومته للاستعمار الأجنبي الذي جثم على صدر الأمة.

 مثلما نجده من تسجيل لمشاعره القومية، وكرهه للأجنبي من خلال ما سطره من كلام في رحلته الحجازية إلى الديار المقدسة سنة 1348 هجري (حوالي 1924م) والتي عبر فيها عن موقفه الواضح ضد الانتداب الفرنسي الذي نفاه إلى خارج الوطن، فشعوره بالفرح بوجوده في الديار المقدسة يزيد على شعور بقية الحجاج بإحساسه بالحرية والانتماء، الذي حرمه في وطنه الأم (لبنان) بل في سائر بلاد العرب سوى الحجاز، لذلك نجده في رحلته الحجازية يسجل هذه المشاعر بكل صراحة وصدق وجرأة معلنا موقفه الصريح الرافض للانتداب الذي قسم البلاد واستعبد العباد، يقول رحمه الله تعالى عن شعوره القومي في جدة والحجاز: “..شعرت منذ وطئت بقدميَّ رصيفُ جُدة أني عربي حر في بلاد عربية حرة. شعرت أني تملصت من حكم الأجنبي الثقيل الملقي بكلكله على جميع البلاد العربيه – وياللاسف – حاشا مملكتي الإمامين عبد العزيز بن سعود ويحيى بن محمد حميد الدين (في اليمن)”.

ويضيف: “شعرت أني حر في بلادي وبين أبناء جلدتي، لا يتحكم في رقبتي المسيو فلان ولا المستر فلان الخ.. بحجة انتداب أو احتلال، أو سيطرة أو حمايه أو وصاية، أو غير ذلك من الأسماء المخترعه التي يراد بها تنعيم مس (الفتوحات) وتخفيف مرارتها في الأذواق”.

ويتابع تسجيل موقفه من المندوبين الساميين الذين حكموا بلادنا، فيقول:

.. “وليس هنا ذلك الرئيس الغاشم، الثقيل الوطأه، السيئ النية، المتكبر المتجبر المتغطرس، الغريب عني، الذي لست منه ولا هو مني، الآتي إلى بلادي ليتحكم في أمورها ويستغل خيراتها، ويضرب على سكانها الذل والمسكنة، لأنه لا يقدر أن يعتز إلا بذلهم، ولا أن يثري إلا بفقرهم، ولا أن يقوى إلا بضعفهم ، ولا أن يُنصِع وجهه الا بسفك دمهم. وسيأتي يوم نقول فيه: ولا يحيا إلا بموتهم”.

ولا يفوته وهو يسجل موقفه القومي والوطني أن يسجل مرارته المتولدة عن نفيه من البلاد الواقعة تحت الانتداب المباشر بشقيه الإفرنسي والإنكليزي، فيقول:

 “لم اكن هنا (أي في الحجاز) في البلاد التي – مع أنها وطني ووطن آبائي وأجدادي، ووطن قومي وأمتي، وجنى سواعدهم وثمرة دمائهم التي سالت فيها أنهارا – لا يؤذن لي أن ألقي عليها نظرة بعد غُربة متطاوله، ونَبْوَةٍ متمادية، ولا أن أدوس على ترابها بقدم خفيفة ولو ساعه من الزمن، وذلك لأن غريبا غلب عليها فقبض على أعنتها وتصرف بها كيف شاء، يدخل من يشاء، ويخرج من يشاء، فأصبح هو صاحب البيت و أصبح أصحاب البيت هم الغرباء”.

كما لا ينسى في هذه المناسبة أن يسجل انتقاده لمن اختاروا التعاون مع المحتل، فيصفهم بالمرتزقة والمستاجَرين: “شعرت في الحجاز أني تُظلني راية عربية محضة حقيقيه، لا راية مشوبة بشعار أجنبي، ولا راية ليس يسير من تحتها جند عربي إلا ما كان من قبيل مرتزَقة أو مستأجَرين تحت قيادة من لا يرقب في هذه الأمه إلّا ولا ذمة، وإنما ينظرون إليها كطعام للأمم التي تدعي عليها الوصايه، وكمتمم لأسباب رفاهيتها ونعيمها”.

ويضيف مستشهدا بما ذكرته إحدى الجرائد عن نفيه: “لقد صدقت الجريدة الدمشقية التي قالت: إنه لم يبق في البلاد العربية بلاد أقدِر أن أدخلها إلا الحجاز”.

إنها مرارات الغربة، التي يخفف ألمها أنها ثمن يدفعه الأحرار في مواجهة المستعمرين. لذلك نجده لا يترك فرصة سانحة لتسجيل انتقاده لهذا الاستعمار إلا ويبتهلها، حتى لو كان الخبر مجرد قصة تاريخية أدبية من مثل ما ذكره عند الكلام عن وصف عرفات وما كانت عليه زمن الصحابة، فينقل الخبر الآتي: “حُكي أن بكر بن النطاح – الشاعر – مدح أبا دلف العجلي – القائد العباسي الشهير – فأثابه عليها عشرة آلاف درهم، فاشترى بها ضيعة في نهر الأُبُلَّة، وكان هناك قرية مجاورة معروضة للبيع فأراد أن يشتريها فعاد إلى أبي دلف وأنشد:

بك ابتعت في نهر الأُبُلَّةِ ضيعةً

                   عليها قُصَيْرٌ بالرخام مَشـيد

إلى جنبها أختٌ لها يعرضونها

                     وعندك مالٌ للهبات عـتـيدُ

فقال أبو دلف: وكم ثمن هذه الضيعة الأخرى؟

فقال: عشرة آلاف درهم.

فأمر أن يدفع إليه، فلما قبضها، قال له أبو دلف: اسمع مني يا بكر، إن إلى جنب كل ضيعة أخرى إلى الصين وإلى ما لا نهاية له، فإياك أن تجيئني غدا وتقول: إلى جنب هذه الضيعة أخرى، فإن هذا شيء لا ينقضي”.

هذا الخبر الذي يعرض فيه أبو دلف بطمع الشاعر بماله، وجده مناسبة ليصور من خلاله طمع الأجنبي ببلادنا، فعلق بقوله: “خاف أبو دلف أن تصير ضياع بكر بن النطاح مثل مستعمرات الإنكليز، كل واحدة تجر جارتها وهلم جرًا”.

إنه تعبير صادق عن طمع المحتلين الذين يشتهون لو أنهم ملكوا الدنيا .. وكأنها تدوم.. وكم نحتاح مثلها اليوم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s