“وزراء الصورة”: عشق النفس حتى الثمالة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

تحولت الصورة التي نشرها وزير الصحة حمد حسن، والتي تظهره عاكفاً على توقيع معاملات وزارته وهو على سرير المستشفى، الى مادة جدلية على مواقع التواصل الاجتماعي بين سخرية هائلة قابلها تقدير وإعجاب.

لكن بمعزل عن هذا الجدل السفسطائي، لا يخرج تصرف حمد حسن عن الاطار العام لسياسته منذ تسلمه وزارة الصحة وبالتحديد بدء تفشي وباء كورونا في لبنان، سياسة قائمة على شعبوية فارغة واطلالات اعلامية مكثفة، بهدف تقديم نفسه كبطل شعبي خارق في زمن القحط والانهيار.

واذا عدنا بالذاكرة قليلاً الى الوراء نتذكر في الموجة الأولى من إنتشار الوباء، انتشار صورة لحمد حسن من حرم المطار، معدلة تقنياً، تظهره متعباً ومرهقاً، للدلالة على الجهد الاستثنائي الذي يبذله الوزير بمفرده بالنيابة عن الحكومة وأجهزة الحكم المختلفة في محاربة الوباء وآثاره، وقتها حدث جدل مماثل لما حدث بالامس القريب.

عشرة اشهر تقريباً مرّت على صورة المطار، لم يتغير شيء، بل كنا أمام المزيد من الصور التي تنم عن نرجسية فاقعة، في الوقت الذي يتجول فيه الوباء براحة وحرية بين اللبنانيين كقاتل متسلسل يتلذذ باختيار ضحاياه. فليت الصور تستطيع تعويض فداحة المصاب او تغطية النقص الفاضح في المنظومة الصحية.

على أن حمد حسن ليس استثناءً في هذا المجال، ففي عهد الحكومة السابقة ظهرت صورة مماثلة للوزيرة ندى البستاني وهي على سرير المستشفى ايضاً بعد اجرائها عملية ولادة، تظهر فيها وهي متعبة وشاحبة، ورغم ذلك تقوم بالتوقيع على عدد هائل من الأوراق والمعاملات العائدة لوزارة الطاقة، مع عبارات تسويقية عاطفية وجذابة، لترسيخ صورة الوزيرة التي تضحي بكل شي بما في ذلك صحتها في سبيل الوطن والمواطنين.

كما نستذكر الصورة التي انتشرت لوزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية وهو ينزل من تاكسي قرب باب السراي الحكومي لحضور اجتماعات اللجنة الوزارية المكلفة باعداد البيان الوزاري، والتي أراد من خلالها تقديم نفسه الى الجماهير بصورة الشخص المتواضع الذي يستخدم سيارات الأجرة مثل اي مواطن عادي.

 بالاضافة الى وزراء آخرين مثل منال عبد الصمد وراوول نعمة ومحمد فهمي وغيرهم الكثير من أعضاء الحكومة المستقيلة وكذلك الحكومات السابقة الذين اتبعوا سياسة مشابهة تتمحور حول صناعة الصوررة المحببة القائمة في الأساس على عشق النفس وتمجيدها، وتنم عن نرجسية تعاظمت في السنوات الأخيرة لتصبح المحور المركزي لسياسات الرؤساء والوزراء والنواب بشكل عام.

وسائل التواصل والاعلام البديل يعبّدان الدرب صوب النرجسية

وانطلاقاً من هذه الامثلة، يستطيع المتابع البسيط ان يلاحظ كيف استغل السياسيون بمهارة تطور وسائل الاتصال والتواصل مع الجماهير، ونمو وتأثير الاعلام الرقمي، ليحاول كل واحد منهم الظهور بصورة الشخص المنزه عن كل ما يعتري الحياة السياسية في لبنان من أزمات وفساد وفشل متراكم، وتقديم النفس بثوب البطل الذي يواجه الصعاب واحدة تلو الاخرى لا من اجل نفسه بل من اجل شعبه. 

لذا تغيب البرامج والسياسات الهادفة لتحل مكانها الصورة الشخصية كأدق تعبير عن حالة بلد تبدلت فيه المفاهيم واضمحلت القيم. بلدٌ يرغب فيه الجميع في لعب دور البطولة في خداع الشعب وتركه ظاسير نشوة مزيفة لا يلبث أن يستفيق منها على واقع شديد المرارة.

فلا صورة ندى البستاني أضاءت بيوت اللبنانيين، ولا صورة حمد حسن المتعب استطاعت منع وباء كورونا من الدخول عبر المطار، ولا صورته في المستشفى أكسبته تعاطف اللبنانيين، وحجبت فشله الذريع في مواجة الوباء الفتاك رغم انه كان يمتلك مساحة من الزمن لم يحظى بها وزراء الصحة في اكثر الدول تقدماً وتطوراً، ولا صورة رمزي مشرفية حجبت عقلية البلطجة التي يحملها دكتور الجامعة الأميركية، والتي دفعته الى ارسال بعض من الزعران لتأديب احد الناشطين الذي تجرأ وواجهه بفشله وعقم سياساته.

فثقافة الصور لا تعبر الا عن شيء واحد فقط لا غير، “عشق النفس حتى الثمالة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s