“الجمهورية اللبنانية التجارية”: “كورونا” نموذجا

لا توجد تعليقات

لبنان عربي- رندة احمد عبد الكريم*

اقتحم كوفيد 19 العالم ولا زال، وخلّف كارثة اجتماعية واقتصادية طالت معظم الدول الغنية والفقيرة، الا انه سيكون شديد الوطأة على البلدان التي لا تتمتع بأنظمة حماية اجتماعية قادرة على انقاذ الأرواح والحفاظ على الحد الأدنى من مستوياتهم المعيشية والصحية والغذائية.

ولبنانيا جاء الفيروس ليذكرنا بأزمة القطاع العام اللبناني الذي من المفترض ان يكون قويّا وفعّالا  ضدّ المخاطر التي تتهدّد المجتمع اللبناني.. الا اننا امام دولة ترزح بالفعل تحت صراعات سياسية واقتصادية واجتماعية وطائفية متعدّدة وضغوط مالية متفاقمة منذ التسعينات!

ولاحتواء التهديدات المتزايدة النابعة من انتشار الفيروس، ولأن قطاعنا الصحي العام “مخطوف”من السلطة وخاضع لأهوائها،  ينبغي على الجميع من مختلف أنحاء البلد من جمعيات وبلديات ومراكز طبية واسعاف ومؤسسات خاصة، العمل معاً للحدّ من انتقال العدوى وخفض حصيلة الوفيات، وتشكيل دروع حماية اجتماعية وصحية، كما ينبغي التفكير بالآخرين، لا سيما الأكثر ضعفاً، والعمل لحمايتهم.

 ففيروس كورونا لا يعرف حدوداً. وهو أثّر بشدّة على حياة جميع الناس، من جميع الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، وعلى سُبُل عيشهم. تلك حالة طارئة تستدعي استجابة طارئة من كل مؤسسات القطاع العام والخاص ومنظمات المجتمع المدني والاهلي.  خاصة ان مفهوم دولة الرعاية الاجتماعيَة أو دولة الرفاه الاجتماعي لا يزال جنينياً في لبنان، ويبقى مستوى الحماية الاجتماعية للمواطنين شبه معدوم. فكيف الحال في ظل جائحة خطيرة لا ترحم؟

وبعيدا عن الإنفاق على التعليم واستحقاقات التقاعد والمنح العائلية والمساعدات لذوي الاعاقة والتي لا تزال كلها  غير متاحة لعدد كبير من السكان، لا بد من التوقف عند مسألة الرعاية الصحية، فباستثناء بعض الحالات الخاصة (كأنظمة الحماية الاجتماعية والصحية التابعة لقوى الأمن والتي تعتبر الاكثر فعالية وشمولية من حيث التغطية)، فإن الواقع العام لنظم الرعاية الاجتماعية والصحية في لبنان يتصف بإجراءات بيروقراطية معقدة، وشديدة البطئ مما يدفع الكثيرين الى اللجوء الى “الواسطة” في معظم الاحيان. وهذا ما تشهده المستشفيات والمراكز الطبية المخصصة لمرضى كورونا.. حيث باتت الواسطة تنقذ ارواح على حساب ارواح اخرى..

ولهذه الاسباب وغيرها، فإن السكان الاكثر عرضة (most vulnerable)، كالمسنين وذوي الاعاقة والعاطلين عن العمل، والعمال الاجانب، والنساء والمزارعين/ات  واللاجئين السوريين يبقون في واقع الحال خارج اطار تغطية معظم نظم الحماية الاجتماعية والصحية الرسمية في ظل جائحة كورونا. فأغلب المساعدات المتعلقة بالمستشفيات والادوية والاسرة تقع فعلياً على عاتق الافراد والاسر والمؤسسات الخاصة، مثل المؤسسات الاهلية والمنظمات غير الحكومية، مما يؤدي، وذلك بسبب غياب منظومة مركزية  فاعلة للحماية الاجتماعية والصحية، الى تعزيز وتعميق الممارسات الزبائنية (طائفية ام حزبية كانت) والتي تمأسست بسبب سياسات المحاصصة ما بين اقطاب الحكم في الدولة اللبنانية، بالاضافة الى انتشار الفساد في الاجهزة الرسمية.

  وفي الحالة اللبنانية المأساوية وبعد التفشي المجتمعي لجائحة كورونا.. فإن العقيدة المهيمنة التي تشكلت على اساسها معالجة التفشي الخطير للجائحة كانت ولا تزال تعتمد على مبدأ الكيدية والمحاصصة..فنحن في “الجمهورية التجارية” حيث لا تعتبر ظاهرة تنازل الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية والصحية والخدماتية والاقتصادية لصالح القطاع الخاص ظاهرة حديثة .

في النتيجة، لا بد من القول أنه و بمجرد انحسار الأزمة، يجب ألا تضيع الحكومة اللبنانية الوقت وأن تسرع في تعزيز أنظمة شبكات الأمان الاجتماعي القائمة لتجعلها أكثر استجابة للصدمات في المستقبل. وهذا يعني تحسين أنظمة التوصيل حتى تصل برامج الحماية الاجتماعية إلى المحتاجين بمزيد من السرعة والكفاءة والشفافية، مع إمكانية توسيعها في أوقات الأزمة. كما تعني التركيز على بناء القدرة على الصمود من خلال برامج الشمول..

كوفيد 19.. قد يكون بداية مرحلة جديدة من تاريخ لبنان على مستوى الحماية والرعاية والصحية والاجتماعية.. وقد يكون العكس تماما.. كما تعودنا أن نعيش ونموت في هذا البلد دون رحمة أو شفقة من احد!

*باحثة إجتماعية

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s