الشباب اللبناني كضحية لـ”الثقافة السياسية المتخلفة”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – الدكتورة عيشة حبلص*

إنَّ للشّباب دوراً كبيراً ومهمّاً في تنميةِ المُجتمعات وبنائِها، كما أنّ المُجتمعات التي تحوي على نسبٍة كبيرة من الفئة الشّابة هي مُجتمعاتٌ قويّة؛ وذلك كون طاقة الشّباب الهائلة هي التي تُحرّكها وترفعها، لذلك فالشباب ركائز أيّ أمّةٍ، وأساسُ الإنماء والتّطور فيها، كما أنّهم بُناةُ مجدها وحَضارتها وحُماتها.

واقع شباب لبنان

في لبنان اليوم، يعيش الشباب حرباً وجودية مختلفة، حرب لأجل البقاء والاستمرار، والحصول على فرص العمل، والمسكن، والمأكل، والوصول لخدمات تعليميّة، تصل حدودها الى الدراسات العليا والدكتوراه.

من هذا المنطلق، لا بد من القول أن الشباب اللبناني يواجه تحديات كبيرة: تعليمية واجتماعية واقتصادية وصحية واندماج اجتماعي وأزمات تتعلّق بالمشاركة السياسيّة، فالشباب في لبنان موزّع بحسب انتماءاته السياسية…

 معظم الشباب هنا لم يختاروا انتمائهم وانما فرضت عليهم الطائفة أو المنطقة أو العائلة هذا الانتماء، قلّةٌ قليلة خرجت عن هذا المسار واختارت اتجاهاً غير اجباري، لذلك كلّ شيء في هذا البلد يخضع للتوازنات السياسيّة حتى لو كان بايجاد حل لأزمة العنوسة.

وعليه، إن البقاء في هذه الظروف السيّئة ..أو الهجرة… خياران قاسيان أمام الشباب في لبنان.

ولأن للشباب تطلعات دائمة إلى مستقبل واعد، من المفترض أن يكون لهم آراء متعددة حول العوائق التي تقف أمام تحقيقهم لهذه التطلعات، وبالتالي ايجاد السبل الناجعة للعيش في كنف هذا البلد بكرامة وبطريقة أفضل.

تحديات الشباب؟

هناك من يعتبر، أن ابرز تحدي يواجه الشباب هو ايجاد هويته وبالتالي الشعور بالإنتماء الفعلي. الا أننا نرى أن من اكبر التحديات التي يواجهها الشباب هي معاملة الانسان على اساس طائفته. ما يجعلنا نحلم كشباب مثقف بصورة الدولة التي نتمناها، أي دولة النظام والقانون المجردة من الطائفية والجهل والفساد .

فموضوع الطائفية والمحسوبيات التي باتت تقف عائقا أمام تطور الشباب تدخل في اطار ثقافة الإنقسام على الذات والتشرذم و التشتت، على الرغم من أهمية خلق حالة وحدوية تشبه طبيعتنا الانسانية والاجتماعية والثقافية المتجذرة في تاريخ وجودنا..

لا سبيل امام الشاب اللبناني الا الهجرة لتحقيق مستقبله

  ما يثبت هذا القول، هي الاحصاءات التي تشير الى ان الشباب اللبناني يهاجر بشكل كبير جداً الى خارج البلاد بشكل شبه نهائي، نتيجة البطالة.. وهذه حقيقة ثابتة بالأرقان، طالما انه لا يمكن لاي شخص ان يحصل على عمل محترم في هذا البلد الا من خلال انتمائه الطائفي او المناطقي، او السياسي، اذ ان أهل السلطة في لبنان لم يبنوا ثقافة واضحة تختار الافضل، بل انتجوا فريقا كبيرا من الفاسدين وغير القادرين على ادارة الدولة ومؤسساتها بشكل جيد.

والمؤسف هنا، أنه بدل أن يكون انتماء الشباب الى الأحزاب من أجل قضية ما، باعتبارهم عمادُ أيِّ أُمَّةٍ وسرُّ النَّهضةِ فيها، وهُم بناةُ حضارتِها، وخَطُّ الدِّفاعِ الأوَّلِ والأخيرِ عنها، ويُشاركونَ في عمليَّاتِ التَّخطيطِ المهمّةِ، والمُشاركةُ بقضايا الرأيِ العامِ والمُناصرةِ. نرى أن الشباب يسعى للإنخراط بالأحزاب اللبنانية للحصول على فرصة عمل او تحقيق مآرب شخصية معينة، وهذا ما قد يزيد حالة الانقسام لدى أغلبهم.

خطر التطرف

والأسوأ من ذلك، أنه حين تعذر ايجاد الحلول لمشكلة البطالة وقع البعض من الشباب اللبناني في فخّ التطرف على مستوى الداخل أو عبر الحدود، وعلى اكثر من جبهة، وخاصة المشاركة في الحركات الشعبية التي سميت بالثورية في العالم العربي وصولا الى الشام.. 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، وهو هاجس حقيقي بالنسبة لكثير من الشباب وخاصة طلاب الجامعات، أنه كيف استطاع الشباب الذي يعاني من البطالة والإهمال والتهميش والقمع، إذا صح التعبير، أن يقوم بهذا العمل الثوري (التخريبي) الضخم؟ ومن أين له كل هذه الأساليب الثورية النفسية والميدانية لكي يستطيع إسقاط حكومات وتجييش الآلاف من المواطنين للنزول إلى الساحات والشوارع وحمل الشعارات المنددة بالأنظمة الحاكمة؟ وهنا نجيب، أننا مع كل تحرك ثوري للشباب طالما كان الهدف هو النهضة والتغيير نحو الأفضل وهذا حق من حقوقهم المكتسبة والمعترف بها في كل أنحاء العالم.. الا أننا وبكل موضوعية، نجيب على هذه الأسئلة بعبارة واحدة: أنه لا قدرة للشباب، ولا سلطة على قيادة ثورة وتشكيل قوة ضغط لو لم يتم تدريبهم كجزء تنفيذي ومهم جدا، على المخططات التخريبية المعدة سابقا.

الشباب ودورهم الميداني..أي توظيف واي أهداف

 فهؤلاء الشباب هم في غالبيتهم الساحقة من ضعاف النفوس الذين ارتضوا على أنفسهم الدخول في لعبة المال، وهاجس الحكم والسيطرة، وتولي المناصب القيادية. وهم أنفسهم من وقعوا فريسة تجارة الدعارة أو المخدرات. ولكن لا بدّ من الإشارة إلى الشباب الذين اشتركوا وبكامل إرادتهم، وبعد انخراطهم الأعمى في إطار المشاريع التنموية التي تنفذها المؤسسات الدولية، والذين تدربوا وشاركوا في ورشات عمل ومؤتمرات وندوات كان يديرها أشخاص مدربون في الخارج على الإقناع، وإيصال الرسائل التخريبية بطرق ديموقراطية ودبلوماسية راقية. هؤلاء الشباب الذين عملوا كمساعدين اجتماعيين أو تنمويين، انتقلوا بين ليلة وضحاها إلى ورشات تدريبية في كثير من دول العالم، وارتفعت أجورهم بشكل مثير للتساؤل. وهم أنفسهم من شاركوا فعليًا في بناء المظاهرات الشعبية، وكيفية شدّ وجذب الجماهير إلى الساحات العامة للمطالبة بإسقاط الحكومات. وهم أنفسهم من تولوا قيادة الثورة الإنترنتية، وتحكموا بكل ما يصدر عن مواقع التواصل الإجتماعي، بما يخدم عملية التغيير في البلدان المستهدفة.

في النتيجة، وفيما يتعلق بالشباب اللبناني، على الدولة أن تسعى لتأمين أبسط حاجاتهم من العمل الى السكن والأمن والطبابة والضمان، بالاضافة الى إلغاء المحسوبية وخلق نوع من الثقافة الحزبية لتوعية الشباب لدى انخراطهم في العمل الحزبي الذي يعد رديفا للعمل المدني، الذي يهدف في نهاية المطاف لتنمية وإنماءٍ مجتمعيّ حقيقيّ وفّعال، يفترض الاعتدال، وعدم التّعصب والتطرّف في القضايا المُختلفة التي يواجهها. إنماء يطال قيم المنافسة الفعّالة والإيجابية، والحدّ من الاعتماد والاتّكال على الظروف الخارجية لتحصيل الفرص وإحراز النّجاح، والاعتماد في ذلك على الذات، كما السّعي لتعزيز الهوية الوطنية والقومية، لجعلها هويّةً ترفع من شأن الشباب وتزيد من احترامهم.

تعديل النظام اللبناني

أما بالنسبة للظروف السياسية في لبنان، فلا خلاص للبنان إذا بقي نظامه السياسي على هذه الطائفية المتوحشة، من هذا المنطلق يمكن الاشارة الى أن  مواطن الخلل في الحياة السياسية اللبنانية كثيرة جدا، وكثيرة هي عوامل التعثر فيها، ما دفع بالنظام الى حائط مسدود وادخل لبنان في أزمات سياسية حادة، أبرزها على الاطلاق الان عدم الاستقرار الاقتصادي…

  فاللاعدالة في الاقتصاد اللبناني تخلق اليأس، فتزيد نسبة الشباب الذي يتعاطى -المخدرات، كما تسبب أيضا الكآبة، الأمراض النفسية وعدم القدرة على بناء علاقات اجتماعية صحية، (في بلد كلبنان يقال فيه أنّ الشعب على شفير “الجنون والاكتئاب حيث يغيب أي حافز للتفكير الإيجابي، خصوصاً في ظلّ غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتالياً الاجتماعي والأسريّ.. حتى غدا الإكتئاب مرض العصر الاكثر شيوعاً اليوم بين صفوف اللبنانيين من مختلف الأعمار وخاصة فئة الشباب.. ).

حيث يعدّ لبنان بين أكثر بلدان العالم استهلاكًا لمهدئات الأعصاب، اذ يعاني نصف سكّانه تقريبا من حالات اكتئاب عصبيّ. لذا نرى اللبنانيين مقبلين على شراء الأدوية المهدّئة التي وصل عددها إلى 13 مليونا و600 ألف علبة خلال عام واحد، بحسب دراسة أعدّتها جمعية Gallup ، وهي شركة أميركية تقدّم مجموعة من البحوث في الخدمات المتعلقة بإدارة الأعمال، وتظهر الدراسة أنّ 47 % من اللبنانيين يعانون حالات اكتئاب عصبي.

 كما سببت اللاعدالة الاقتصادية والاجتماعية الانتحار ( تتفاوت حالات الانتحار في لبنان مع تفاوت الأعوام، اذ أن الأعداد بحسب احصاءات قوى الأمن الداخلي وصلت، في العام 2009 الى 112 حالة انتحار، ولكن الصدمة كانت في العام 2018 حيث وصلت الأعداد بحسب الاحصاءات الى حوالي 200 حالة انتحار (لا يوجد احصاء دقيق حتى الساعة في العام 2019- 2020)، أي بمعدل حالة انتحار واحدة كل يومين تقريبا.

واللافت ان “المنتحر لا يريد الموت بقدر ما يريد التوقف عن الحياة بمعنى انه لا يريد الذهاب الى الموت بقدر ما يريد التوقف عن المعاناة التي يعيشها في الحياة”. وهي حال الكثير من الشباب في لبنان للأسف.

وفي ظل هذه الأزمة، هل برأيكم يوجد في لبنان خطة نفسية/اجتماعية او استراتيجية وطنية من اجل تفريغ الاحتقان النفسي لدى الشباب؟..

أنا أرى بأن الشباب اللبناني بحالة ضياع، وغير قادر على حلّ مشاكله في الوقت الحاضر، أو التخطيط للمستقبل. فنحن أمام انهيار اقتصادي وتراجع في الإستثمارات وفي المشاريع، وغياب لسياسات حكومية واضحة لسوق العمل، وهناك فارق شاسع بين متطلبات سوق العمل وبرامج إعداد الكادرات المهنية والتقنية في الجامعات.

إضافة إلى  أزمة كورونا وسبقتها الأزمة المالية العالمية التي أدت الى صرف لبنانيين عاملين في دول خليجية وأوروبية ودول شمال أفريقيا بغياب خطط حكومية لاستيعابهم. هذه الأزمة الإقتصادية دفعت بـ 2200 شركة ومؤسسة لبنانية على إقفال أبوابها وتم تسريح العاملين فيها بحسب الرقم الذي أعلنته الهيئات الإقتصادية.

أي دور للحكومة؟

الحكومة اللبنانية تعتبر نفسها أنّها أنجزت ما عليها، من خلال خطّة قدمتها إلى مؤتمر سيدر، تقضي بتمويل مشروعات توفر 900 ألف فرصة عمل من خلال برنامج الحكومة لتأهيل البنية التحية، وهو رقم فقد معناه اليوم بل أصبح عرضة للسخرية بالنسبة لكثير من الشباب اللبناني.  وتزداد السخرية أيضا على المبادرة اليتيمة التي أطلقتها لجنة الشباب والرياضة النيابية معلنة أن سنة 2019 ستكون سنة خلق فرص عمل للشباب . وها نحن في بداية 2021 حيث فقد العديد من الموظفين وظائفهم أمام عزم الحكومة اللبنانية الصارم الاقتطاع من رواتب موظفي الدولة وتخفيض ساعات الاساتذة وتخفيض اعداد المياومين….الخ

أخيرا ولس آخرا: الشباب شريحة باتت مثقلة بالمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تبحث عن التغيير في مفاصل حياتية عدة، ولكن الرهان دائما هل يستطيع هؤلاء الشباب تحقيق التغيير لوحدهم؟.

*كاتبة وباجثة اجتماعية

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s