السرقات المتكررة كمدخل للأمن الذاتي؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – ربيع الأبيض

لم يكن محمد عيسى يتوقع ان سهرته الليلية ستنتهي على غير ما رسمه لها، ففي النهار إبتاع أغراضه البيتية، وطلب من زوجته  تحضير عشاء خفيف، ليتبعه بما لذ وطاب من خضار وحلويات…

لم تتأخر رانيا بالاستجابة لطلب زوجها، تركت مباشرة متابعة مسلسلها التركي الخاص على اليوتيوب، ودخلت المطبخ لتحضر لمحمد ما اشتهاه على طاولة العشاء، وقالت في نفسها “لو أن أمي لم تأخذ معها الاولاد صباحا ليناموا عندها، وقبلت دعوتي للنوم معنا، لكنا سعدنا أكثر..لكنها أمي لا تتغير”.

مساء عندما قاربت الساعة منتصف الليل، وكان محمد ورانيا لا يزالان يشاهدان التلفاز، فجأة دب الرعب في قلب رانيا، وتحول جوهما الهادئ الى كتلة نار مشتعلة، “محمد عم اسمع صوت على البلكون، مش مطمنة، ما يكون حرامي؟”، معقول؟ رد محمد وأخفض صوت التلفاز وغرقا بصمت للحظات ليتحققوا من الصوت، وفعلا بدا لهما ان الصوت يقترب أكثر، مشى محمد على رأس اصابعه ناحية الشباك المطل على البلكون، فلمح ظلا يتحرك، سارع الى مفتاح الكهرباء وأضاء اللمبة في الخارج، وفتح نافذة الشباك وصرخ حرامي حرامي، كلمات كانت كافية لأن يقفز الحرامي المفترض من الطابق الأول الى الشارع ويركب خلف زميله على الموتوسيكل ويهما بالهروب، دون اي معرفة عن هويتهما.

هذه القصة التي حدثت في الميناء في طرابلس قبل البدء بالاقفال العام بأربعة أيام، ليست يتيمة اطلاقا، لكنها تختلف عن مثيلاتها بالنهايات فقط، ففي الكثير من المناطق اللبنانية تسجل معدلات السرقة أرقاما مخيفة ونسبا متصاعدة بوتيرة سريعة، وتشهد المدن الرئيسية قلقا مضاعفا على مستقبلها القريب، فازدياد نسب السرقات في ظل الأزمة المعيشية القاتلة التي يعيشها اللبناني، وتكرار الممارسات الميلشيوية من قبل قبضايات الأحياء وزعماء الشوارع، وغياب الدولة المتتالي، كل هذه الأسباب مضاف اليها غضب الجائع وفورة المظلوم، تؤسس لحالة من الفوضى العامة التي قد تدفع الناس الى تأمين شوارعهم بأيديهم وسلاحهم في استعادة بشعة لأمن ذاتي خبره اللبناني من قبل في أيام الحرب الأليمة.

ولقد ازداد حديث المواطنين في ضواحي صيدا وطرابلس عن الأمن الذاتي، ففي أبي سمراء مثلا، التلة الطرابلسية المكتظة بالسكان، يحدثك الناس عن عشرات السرقات اليومية، من محلات تجارية تسرق بالكسر والخلع، الى موتوسيكلات من أمام المباني، مرورا بمولدات مياه الشفة الى السيارات والدراجات الهوائية، وكل ما يمكن ان يباع وإن بثمن زهيد.

كذلك الأمر في الميناء التي شاء القدر ان لا يسرق فيها منزل محمد ورانيا، تسرق أغطية الصرف الصحي، و”درابزين” الكورنيش النهري، لتباع في “البور” بعد ان سجل سعر الحديد ارتفاعا ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة، فضلا بالطبع عن السرقات المعتادة من المحلات والبيوت، وكذلك الحال في القبة والتبانة، والبداوي، والكثير من المناطق العكارية والضناوية، حيث يصار الى سرقة البيوت “الجردية” التي يكون أصحابها من الميسورين الذين يمونون فيها أغراض الصيف من السلع الأساسية، ويذكر أنه في منطقة نمرين جرى سرقة أكثر من منزل على هذا النحو، بالاضافة الى سرقة بوابات الحديد التي يتطلب تركيبها ساعات وساعات، حيث جرى فكها ليلا مع استخدام أدوات التلحيم، على اعتبار ان لا سكان في منازلهم شتاء، الأمر الذي دفع البلدية الى اعادة تفعيل عمل النواطير لحماية ممتلكات الناس.

هذه الممارسات وغيرها، المترافقة مع تصاعد ظاهرة النشل والتشليح على الطرقات وفي الأسواق، مع ما قد يعنيه ذلك من قتل للمنشول، كما جرى في أكثر من منطقة لبنانية، ومع تلاشي الدور الأمني الحمائي للمؤسسات الأمنية، يعطي الحديث عن أمن ذاتي للمناطق والشوارع مشروعية معينة من وجهة نظر قائليه، على قاعدة “اذا الدولة ما بتحميني انا بحمي حالي”.

فمن الذي يحمي الناس وممتلكاتها اذا غابت الدولة؟ وكيف لدولة منهارة قواها على كل المستويات أن تقدم الحماية لمواطنيها، وهل لدى عنصر القوى الأمنية او الرتيب في الجيش الشجاعة والحماسة والقدرة والرغبة في أن يضحي لأجل الاخرين ومعاشه الشهري لا يتعدى الـ200 دولار أميركي؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s