“اخوان” المغرب مع “التطبيع” وضده في آن..

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

“التطبيع يأتي كأفضل أداة تفتّق عنها المكر الصهيوني، فهو شرط يضعه في المقدمة لكل اتفاقية سلام، فلا سلام عندهم بدون تطبيع سياسي وثقافي واقتصادي، وإلا فالحرب”، (مجلة الفرقان المغربية – 1996).

هذا النص خطه “بيمينه” سعد الدين العثماني في مجلة تصدر عن الاخوان المسلمين في المغرب منذ أربعة وعشرين عاما. واليوم ينقلب حزب العدالة والتنمية، الذراع السياسية للاخوان المسلمين في المغرب على مبادئه، ويوقع سعد الدين العثماني نفسه بعد ان أصبح رئيساً للحكومة المغربية وأمين عام حزب العدالة والتنمية، وبنفس اليد التي كتب بها النص السابق، على اعلان مشترك بين المغرب واميركا واسرائيل، يؤسس لعلاقات دبلوماسية كاملة واتفاقيات تجارية بملايين الدولارات، في مشهدية تراجيدية سوداء، تعكس حجم الهوة والانفصام بين المبادئ التي لطالما نادى بها تنظيم الاخوان المسلمين، وبين القرارات التي يتخذها والأفعال التي يقوم بها عندما يصبح في السلطة.

لذلك يتهمهم الخصوم بأن لديهم “ازدواجية” و”تقية” في التعاطي مع الملفات الكبيرة، وهي اتهامات لا تأتي من فراغ، بل لها ما يسوغها في سجل الاخوان، فعندما “يتسلطون” يظهرون كما لو انهم من اتباع نظرية ميكافيللي “الغاية تبرر الوسيلة” او انهم تبنوا مقولة “روما من فوق غير روما من تحت”.

فحزب العدالة والتنمية الذي وافق على التطبيع عام 2020، كان تقدم فريقه البرلماني عام 2013، بمقترح قانون لتجريم كافة أشكال التطبيع، وأكثر من ذلك، أصدر حزب العدالة والتنمية المغربي في الثاني والعشرين من آب الماضي، أي قبل ثلاثة أشهر فقط من توقيعه على التطبيع، أصدر بيانا في الذكرى الحادية والخمسين لجريمة احراق المسجد الاقصى المبارك، قال فيه :”إن التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي دعم لعدوانه على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، ومعاكسة لوحدة الصف الفلسطيني ضد محاولات تصفية القضية الفلسطينية”، واعتبر الحزب أن “إقامة أي علاقة أو تطبيع كيفما كان نوعها، لا يمكن إلا أن يصب في خانة دعم هذا الكيان المستعمر ويشجعه في التمادي في ممارساته العدوانية ضد الشرعة الدولية والحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني”.

اللقاء الثلاثي بين المغرب واميركا واسرائيل

 فأي ازدواجية هذه في النظرة الى التطبيع؟ وما الذي تغير اليوم حتى يصبح التطبيع حلالا بعد ان كان شركا واثما كبيرا؟

ويذكر ان وزير الخارجية المغربي قد كشف الأسبوع الماضي في حديث مع صحيفة “يديعوت احرونوت” العبرية، ان علاقات بلاده باسرائيل كانت طبيعية حتى قبل اتفاق التطبيع مع الدولة العبرية، واضاف في حديث تلفزيوني ان “المباحثات حول التطبيع مع اسرائيل بدأت عام 2018 وان اللاعب الاساسي في دعم العملية كان الملك محمد السادس”. يعني ان المباحثات المغربية الاسرائيلة كانت تتم تحت “سمع وبصر” ممثلي حزب العدالة والتنمية في الحكومة وبالتأكيد بعلم رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وبالتالي فان بيان الاستنكار والتنديد بالتطبيع الذي اصدره الحزب كان حبراً على ورق ومعداً للاستهلاك الشعبي.

كما ان الحكومة المغربية قبل اعلان التطبيع، اطلقت اصلاحاً تربوياً وصفه البعض “بتسونامي” ، ويتمثل في ادراج تاريخ الجالية اليهودية وثقافتها في المناهج الدراسية في البلاد، وهذه الخطوة لم تكن لتتم لولا موافقة حزب العدالة والتنمية.

تباينات هائلة ومواقف متعارضة لحزب ذو نزعة اسلامية يشكل امتداداً لحركة دينية ذات ماضٍ عريق، كل ذلك من اجل هدف واحد لا غير، الحفاظ على “كرسي” السلطة. فحزب العدالة والتنمية عندما توجب عليه الاختيار بين “مبادئه التاريخية” التي كانت تحتم عليه رفض التطبيع او الخروج من السلطة تفادياً للتطبيع الذي كان يحضر له طيلة ايام وليالٍ، وبين الموافقة على التطبيع بما يضمن له البقاء في السلطة والتنعم بالرضى الملكي، اختار السلطة على حساب المبادئ التي نحاها جانباً، فثوب المبادئ لا يليق بمقام السلطة.

كان يمكن للحزب على الاقل تحضير قواعده الشعبية لهذه الخطوة خلال الاشهر الماضية، لكن يبدو ان مبدأ “السمع والطاعة” المقدس داخل تنظيمات الاخوان كفيل بوأد كل اعتراض في مهده. اما بيانات حركة “التوحيد والاصلاح” الذراع الدعوي للاخوان في المغرب، ومنظمة “شبيبة العدالة والتنمية” الذراع الشبابي للحزب، الرافضة لقرار الحكومة المغربية بالتطبيع مع اسرائيل، تشكل “التقية” بعينها والتي تتقنها الاحزاب التابعة للاخوان المسلمين: نوافق على التطبيع لنضمن البقاء في السلطة، ونصدر بيانات شعبوية تندد بالتطبيع لاحتواء غضب القاعدة الشعبية الناخبة وخوفاً من فقدان اصواتهم.

الاخوان المسلمون في المغرب، على التطبيع موافقون وللقضية الفلسطينية مناصرون، ان لم تكن هذه هي الازدواجية بعينها فماذا تكون؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s