عندما تصبح الكلاب نموذجاً للمدنية

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

بعدما كانت تربية الكلاب هوايةً لدى عدد محدود من اللبنانيين، اصبحت في السنوات الاخيرة ظاهرةً اجتماعيةً بحد ذاتها ملفتة للنظر.

فقد تحولت الى موضة بين الشباب والشابات كما هي الحال عند انتشار تسريحة شعر معينة او لباس معين. فاللبنانيون المولعون بالتقليد الاعمى لمظاهر الحياة في الغرب، باتوا يتنافسون في اقتناء الكلاب على اختلاف انواعها والوانها كدليلٍ على الحضارة والرقي والرفعة الاجتماعية. ومن شدة حرص اللبنانيين على حقوق الحيوان حتى ولو كانت على حساب الانسان نفسه، يُخرِجون كلابهم في نزهاتٍ يوميةٍ من أجل التريّض في شوارع المدن وارصفتها المشوهة، غير عابئين بخوف البعض من الكلاب او نفورهم من الحيوانات، تاركين كلابهم تتغوط بكل اريحية على الارصفة، الامر الذي يجعل المواطن بحاجة الى خريطة تشبه خريطة حقل الالغام للمشي على الارصفة الحافلة بالقذارة، وتفادي براز الكلاب خاصةً في الليل، حيث الظلام الدامس بفعل انقطاع الكهرباء.

 وقد فات هؤلاء المولعين بتقليد الغرب، ان الغربيين عندما يُخرِجون كلابهم للنزهة يأخذون معهم كيساً مخصصاً لبراز الكلاب، فنظافة الارصفة ثقافة بحد ذاتها أين نحن منها. ولان اللبناني مرهف الاحساس بطبعه، لا يحب ان يترك كلبه اسير القيود، لذا يُعتِقَه من قيوده ويتركه يمشي بحرية، ويضحك ملء شدقيه عندما تبدر صرخة فزعٍ من فتاةٍ او طفلٍ او عجوز، وحذار ثم حذار ان يعترض احد على هذه الظاهرة تحت طائلة اتهامه بالرجعية والتخلف.

لا يقف الامر عند هذا الحد، حيث تحولت بعض الارصفة الى حلبة ملاكمةٍ بين كلابٍ يستمتع اصحابها بهذه الصراعات غير آبهين بهروب المارة المذعورين. هذا وقد ابتدع بعض اصحاب الكلاب بدعةً تضاف الى سجلهم الذهبي في دب الرعب في اوصال الاطفال، حيث يقومون باللعب مع كلابهم عبر رمي عبوة مياه او ما يشبهها مطلقين العنان لكلابهم بالجري خلف العبوة والتقاطها، يحدث ذلك على ارصفة قرب بعض المدارس، مما يسبب الخوف لدى الاطفال الذين يُفاجئون بكلبٍ يركض كالسهم، فتتعالى صرخات الفزع ويبدأ بعضهم بالهرب ظناً منهم ان الكلب يلاحقهم.

الامر المثير والملفت للنظر، هو ان لبنان، هذا البلد الذي يعاني من ازمةٍ اقتصاديةٍ خانقة، ويكابد مواطنوه من اجل الحصول على اساسيات الحياة، تزداد فيه بالمقابل ظاهرة اقتناء الكلاب بشكل متطرد، حتى بلغ الامر بالبعض شراء اكثر من كلب واحد.

وهنا يجب التذكير بأن الكلاب بحاجة الى الحصول على لقاحات وفق روزنامة معينة، كما انهم بحاجة الى اطعمة من انواع خاصة، باهظة الثمن خاصة مع تحليق الدولار في مقابل الليرة، الامر الذي يدفعنا الى التساؤل : هل يقوم اصحاب الكلاب بتلقيح كلابهم ام لا (وذلك لاهمية اللقاحات)، وهل يقومون بشراء الطعام للكلاب ام انهم يطعمونهم كيفما اتفق؟ يكتسب الجواب على هذا السؤال اهميةً كبرى، ففي حال كان نعم، هذا يعني انه يقع على عاتق اصحاب الكلاب فاتورة كبيرة جداً قد تتجاوز معدل الرواتب الشهرية في لبنان، مما يضع علامات استفهام كثيرة حول مصادر دخل هؤلاء. وفي حال كانت عدم الالتزام هو الطاغي (وهذا هو المرجح)، فان ذلك يدفعنا الى التحذير من انتشار الاوبئة حيث يعتبر الكلب وسيلة مباشرة لنقل الامراض والعدوى والبكتيريا بمختلف انواعها، ويحذر الاطباء وكذلك منظمة الصحة العالمية من خطورة مشاركة الطعام والشراب مع الكلب لما يسبب من امراض مزمنة، كما ظهرت دراسات وابحاث علمية توضح مدى ارتباط تربية الكلاب في المنزل مع الاصابة بسرطان الثدي.

يظن اصحاب ثقافة تربية الكلاب انها تجعلهم اكثر مدنيةً ورقياً ومكانةً في المجتمع، لكن السلوكيات المقرفة التي ترافق اقتناء الكلاب تتيح تصنيفهم في خانة السذّج واصحاب العقول المسطحة الذين يكتفون من الحضارة العالمية بالقشور دون التعمق في المضمون والتأثير السلبي للتقليد الاعمى على باقي مكونات المجتمع…وهذه مشكلة كبرى أين نحن من حلها؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s