أوباما في “ارض الميعاد”: اطلالة نقدية على الفترة الرئاسية

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

اصدر الرئيس الاميركي الاسبق باراك أوباما، الجزء الاول من مذكراته تحت عنوان “ارض الميعاد”. وما ان طرحت النسخ الكترونيا للبيع حتى وصل عدد المشترين للكتاب الى 900 الف خلال ايام قليلة.

 يتحدث أوباما في الجزء الاول من كتابه عن محطات من مسيرته السياسية، وحملته الانتخابية عام 2008، وفترته الرئاسية الاولى حتى ليلة مقتل اسامة بن لادن عام 2011.

لماذا “أرض الميعاد”؟

يوضح اوباما في مقابلة ان عنوان كتابه يشير الى قصة النبي موسى الذي خرج ببني اسرائيل من مصر وبعد اربعين عاماً من التيه في الصحراء، مات وهو يرى ارض الميعاد دون ان يصل اليها. الا ان البعض من الكتاب الاجانب والمؤرخين يعتبرون ان عنوان الكتاب له بعد عاطفي في الوجدان الاميركي عامة، والمجتمع الاسود المتحدر من اصول افريقية تحديداً.

فالعبارة مرتبطة بواقعة تاريخية، ففي الخطاب والعظة الوداعية الاخيرة التي القاها زعيم الحقوق المدنية القس “مارتن لوثر كينغ” في كنيسة بمدينة ممفيس بولاية تينيسي، وعرفت بخطاب “وصلت الى قمة الجبل” واعتبرها اتباعه استشرافاً لوداعه، خصوصاً انه اغتيل في اليوم التالي، قال لوثر كينغ في عظته يومها:  “رأيت الارض الموعودة، وان لم اكن معكم حينها، فاني اريدكم ان تعلموا اننا كمجموعة ناس سنصل الى الارض الموعودة”. وحين تم الاعلان عن فوز اوباما بالرئاسة، استذكر انصاره خطاب كينغ واعتبروا ما حصل تحقيقاً لما توقعه الرجل.

رواية صادقة عن الحملة الرئاسية

يقول اوباما عن مذكراته، انها رواية صادقة لحملته الرئاسية والفترة التي قضاها في البيت الابيض، ووجهة نظره فيما قام به بشكل صحيح والاخطاء التي ارتكبها، والقوى السياسية والثقافية والاقتصادية التي واجهها. ويضيف بأنه حاول ان يقدم للقراء تصوراً للرحلة الشخصية التي مر بها هو وزوجته خلال تلك السنوات.

وكتاب “أرض الميعاد” ليس الكتاب الأول لأوباما الذي بدأ حياته السياسية كاتبا، فهو أصدر عام 1995 كتابه الأول: “احلام من ابي” يحكي رحلة بحثه عن الهوية والمغزى باعتباره ابناً لامرأة بيضاء من كانساس ورجل اسود من كينيا. هذا الصراع بين الكاتب والسياسي، الحالم والناشط، المنعزل والمنخرط، الرغبة في العمل في السياسة لا ان يكون من مكوناتها، يلعب دوراً بشكل او بآخر على مدار مسيرته المهنية وفي مذكراته. ولقد جاء كتاب “ارض الميعاد” من بنات افكار كاتب “احلام من ابي” نفسه بلا منازع، ففيه القدرة ذاتها على الوعي بالذات ونقدها، وموهبة الوصف والايقاع السردي، وجوانب التعاطف والسخرية، ويمكن القول ان الصراع بين الشخصية العامة والرجل المنعزل هو احد الموضوعات الرئيسية في هذا الكتاب.

ماذا قال عن الزعماء العالميين؟

يتحدث اوباما في مذكراته عن بعض زعماء العالم الذين تعامل معهم خلال فترة حكمه. ابرزهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يقول عنه اوباما بأنه يذكره ببارونات السياسية في شيكاغو، الذين التقى بهم في بدايات حياته السياسية، حيث الشخصية الصارمة والدهاء الذي لا يأبه للعاطفة، واعتبار المحسوبية والرشوة والابتزاز والاحتيال واحداث العنف ادوات شرعية للتجارة.

ويقول عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بأنه يحب ان يحتل بؤرة الحدث وان ينسب اليه الفضل في اي شيء، ويتسم بالخطاب المبالغ فيه. كما يشيد اوباما بديفيد كاميرون وانجيلا ميركل التي قال عنها انها صادقة وصارمة ودقيقة من الناحية الفكرية وتنفر من الديماغوجية. كما اشاد اوباما بالرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي قال عنه بانه ودود وتصرفت حكومته دائماً بموجب الدستور وقوانين حلف الناتو، لكنه يبدي شكوكاً بالتزام اردوغان بالقيم الاوروبية.

ماذا عن الزعماء العرب؟

يعرض اوباما صورة قاتمة لكثير من قيادات العالم العربي، حيث تحدث عن حسني مبارك وعن الانطباع الذي تركه لديه واعتاده فيما بعد في تعامله مع الزعماء العرب، يقول عنهم: “حكام استبداديون مسنون يحبسون انفسهم في قصورهم ويديرون امورهم عبر خدم جامدي المشاعر، لا يفرقوا بين مصالحهم الشخصية ومصالح دولهم، تصرفاتهم وقراراتهم تهدف الى دعم شبكة معقدة من المحسوبية والمصالح التجارية التي تتبع لحكمهم”.

ويتحدث اوباما عن نتنياهو فيصفه بالسياسي البارع، ويقول ان معرفته بعالم السياسة والاعلام في اميركا، اعطته الثقة في انه يستطيع مقاومة اي ضغط يمكن ان تمارسه عليه ادارة ديموقراطية مثل ادارته، وأنه يرى نفسه انه المدافع الاول عن اليهود في العالم، مما سمح له بتبرير اي شيء تقريباً من شأنه ابقائه في السلطة.

أوباما يجري نقدا ذاتيا

يحاول باراك في كتابه ان يظهر نفسه للرأي العام انه من طينة من ينتقدون انفسهم، خاصة عندما يتحدث  عن قرارات اتخذها ثم تراجع عنها او تركها دون متابعة ومعالجة، كقرار ارسال عشرات الاف الجنود الى افغانستان ثم التخطيط فوراً لانسحابهم، وكذلك تدمير الدفاعات الجوية للقذافي ثم ترك مشكلة ليبيا للاوروبيين. هذه الجدلية الاشكالية في شخصية اوباما تعكس صراعه في شبابه بحسب زوجته ميشيل، صراع بين العالم على ما هو عليه، وبين ما يجب ان يكون عليه (الواقعية والمثالية)، تفاخره بالعملية الجيدة والركون الى سياسات بغيضة لا ترضي حتى مؤيديه الحماسيين.

اوباما والربيع العربي

يعد الربيع العربي احد المحاور الساخنة في مذكرات اوباما، يعترف فيه بتدخله المباشر ودوره المؤثر في تنحي حسني مبارك، على الرغم من معارضة الزعماء الخليجيين وكذلك اسرائيل. فقد اصر نتنياهو على ان الحفاظ على النظام والاستقرار في مصر يأتي على راس الاولويات، محذراً اوباما من استغلال ايران للفوضى في مصر لبسط نفوذها. ويكشف اوباما عن موقف الملك عبد الله من الاحتجاجات في مصر والمنطقة التي رأى انها تمثل تهديداً وجودياً للعائلة الحاكمة، وان الاحتجاجات تقف خلفها اربعة فصائل: الاخوان المسلمون، حزب الله، القاعدة وحماس. كما ان ولي عهد ابو ظبي محمد بن زايد، الذي اعتبره اوباما احد ادهى الزعماء في المنطقة، حذره من ان سقوط مبارك ووصول الاخوان المسلمين الى الحكم سيؤدي الى سقوط ثمانية حكام عرب اخرين.

الاعتراف بتناقض المواقف

ويعترف اوباما بتناقض مواقفه من الربيع العربي بتأثير المصالح الاميركية التي كان عليه مراعاتها مما ادى الى اتهامه بالنفاق. يقول انه لا يزال الى اليوم يفكر في هذه التناقضات، ولا يجد طريقة مقنعة لشرح هذا التناقض.

كما يعترف اوباما بتقصيره وعجزه في معالجة الازمة السورية ودعم المحتجين، متذرعاً بمحدودية الخيارات وضعف التأثير الاميركي، لكنه اقر بان المأساة السورية لا تزال تؤلمه الى اليوم وانها واحدة من ابرز الاخفاقات الخارجية في عهده.

ينهي اوباما الجزء الاول من مذكراته عند ليلة مقتل اسامة بن لادن عام 2011. ما يعني ان الجزء الثاني منها سيكون دسما لناحية ذكر تفاصيل الاجتماعات والمباحثات مع ايران لحين الوصول الى توقيع الاتفاق النووي في 14 تموز من العام 2015، وهي المرحلة التي اعتبرها الكثير من العرب انها البوابة التي عززت من خلالها طهران سيطرتها على العواصم العربية، بسبب تنازلات ادارة اوباما الذي رحل من  الحكم غير مأسوف عليه، الا انه اليوم يعود عبر انتخاب جو بايدن، فكيف سيتعامل الاخير مع هذا الملف؟ وبأي عين سينظر الى منطقة الشرق الاوسط؟ ربما يجيبنا أوباما نفسه في الجزء الثاني من كتابه عن كل هذا، وعن نظرته لترامب وتقييمه لادائه السياسي والاقتصادي خلال فترته الرئاسية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s