طرابلس في ظلمات ثلاث!!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طلال الدهيبي

بالامس، في ليلة ممطرة شديدة البرودة من ليالي كانون الباردة، نام اهل طرابلس في ظلمات ثلاث: ظلمة العهد القوي، ظلمة الكهرباء التي خاصمت المدينة منذ ما يزيد على يوم كامل، بعد ان كانت العلاقة تتراوح بين وصل جزئي وجفاء، وظلمة اصحاب المولدات الكهربائية.

ثلاث ظلمات موحشة، لا كهرباء ولا ماء ولا تدفأة، وكأني بالطرابلسيين قد حكم عليهم بعيش الموت او تذوق بعض من عذاب القبر ووحشته وهم احياء يرزقون. حتى الهواتف الخليوية لسكان المدينة خاصمها انترنت الشركات المشغلة للهواتف، ولم يعد ينقص طرابلس سوى رؤية الدواب تزاحم بعضها في الشوارع بسبب ازمة بنزين دفعت الناس لشراء الدواب! لتعود المدينة الى ما كانت عليه قبل عشرات الاعوام في عصور قرأنا عنها ولم يدر بخلدنا مرة اننا قد نعيشها واقعاً.

قد يقول قائل بأن هذا من تبعات الازمة الاقتصادية التي تفتك بالبلاد والعباد، وهذا صحيح، لكن لماذا تكون الازمة في طرابلس اشد ظلمة وهولاً من سواها من المدن والمناطق؟. هل لأن اهل طرابلس استشرفوا باكراً جهنم العهد القوي، وكانوا سباقين في معارضته وتحذير القريب قبل البعيد من مغبة قوة هذا العهد؟.

المفجع هو ان يستيقظ اهل طرابلس في اليوم التالي، وكأنه لا ازمة لديهم ولا من يحزنون. فمن شدة عصف الازمات وهولها، لم يعد اهل المدينة يتأثرون بازمة جديدة، فهم فقدوا احاسيسهم ومشاعرهم منذ زمن بعيد، عندما بدأت نسائم العهد القوي بالهبوب. واولوية الطرابلسي اليوم هي ترتيب الطوابير، هل يذهب اليوم ويقف في طابور الخبز؟، او في طابور الغاز؟، او في طابور البنزين؟، او يجوب صيدليات المدينة بحثاً عن دواء؟، او يذهب صاغراً الى احدى دوائر الدولة وينتظر ساعات طوال لتسديد فاتورة من فواتير خدمات الدولة المعدومة؟.

من يدخل طرابلس يشعر بالموت يظلل ارجاء المدينة ويعيش بين جنباتها. تقابله وجوه كالحة كئيبة، يائسة ومتعبة. الموت هو رفيق اهل المدينة في يومياتهم البائسة، فمن لم يمت بحد السيف مات بغيره، ومن لم يمت بحد الكورونا فسيموت قهراً وكمداً، او يموت جوعاً، او يموت بسبب عدم تناول الدواد المفقود، او قد يقتل وهو يحاول الحفاظ على دوره في احد طوابير الذل من تسلط بعض الغوغائيين، الذين يسفكون الدماء البريئة بلا خوف او وجل.

قيل لاهل المدينة العهد القوي من امامكم والبحر من ورائكم، فركب البحر خيرة شباب المدينة وهم يحلمون بأن يصلوا الى بر النجاة من المهلكة، وأن يعبّدوا الطريق لمن بقي في المدينة كي يلحقوا بهم. لكن صيادي الفرص وعبادي الدولار كانوا لهم بالمرصاد واوقعوهم في افخاخهم، فقليل من وصل الى البر، وكثير من غرق في لجة البحر بعد ان تقطعت بهم السبل، واغلبهم عاد الى المدينة اشد بؤساً وقهراً.

لك الله يا طرابلس، اليه نبرأ مما صنع بنا العهد القوي واعوانه وزبانيته، واليه نشتكي من خان الامانة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s