رحلة مواطن صالح الى …”أوجيرو”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

مع اقتراب الشهر من نهايته. توجهت الى أحد فروع شركة أوجيرو لتسديد فاتورة الهاتف الثابت، كانت الساعة تشير الى الواحدة ظهرا، ما يعني ان الموظفين لا زالوا في مكاتبهم يسيرون شؤون الناس، او هكذا يفترض ان يكون.

ما ان وصلت الى أول الشارع المطل على “السنترال”، حتى انفرجت اساريري لعدم وجود زحمة امام باب المركز، لكن ما ان تقدمت خطوات الى الامام حتى وجدت المركز مقفلا تمام الاقفال، فجلت بنظري على ابواب وشبابيك المركز المطلة على الشارع عساني اجد موظفا او حارسا او مديرا أساله عن الدوام الفعلي للموظفين، لكن لا فائدة. فحملت خيبتي على كتفي وعدت ادراجي الى المنزل.

في اليوم الثاني عاودت الكرة، عند الثانية عشر ظهرا، بعد ان طلبت اذنا من مدير عملي لتسديد فاتورة هاتف منزل والدتي، فلم يكن حظي أفضل من اليوم الذي سبقه، السنترال مقفل والشارع فارغ، الا من بائع خضار خمسيني ينادي في آخر الشارع على “البندورة والخيار والليمون”، وجدت فيه ضالتي، فسألته ان كان يعلم لماذا “اوجيرو” مسكرة؟ فنظر اليّ نظرة السجان الى مغتصب حرية شعب وقال بصوت خشن: بسبب الكورونا يا ابني، ثم سألته عن الدوام فأخبرني انه من الثامنة صباحا حتى الحادية عشر ظهرا، وقهقه قائلا: “صلي الصبح وتعى غير هيك ما بتظبط معك”.

في السابعة والنصف من صباح اليوم “الثالث” وبعد ان حصلت على اجازة من عملي، لزوم انهاء هذه المعاملة الخطيرة، كنت اقف على باب فرع اوجيرو، انتظر موعد بدء الدوام الرسمي، لكنني تفاجأت بوجود عدد كبير من المواطنين. لا بأس، عندما تفتح الابواب والصناديق سينتظم الحشد امام شبابيك الدفع ولن انتظر طويلاً، قلت في نفسي.

 تجاوزت الساعة الثامنة بدقائق قليلة. وفجأة وجدت نفسي اسير مرغماً مدفوعاً من قبل الناس الذين يتصارعون ويتسابقون للوصول الى نوافذ الدفع. وكانت الصدمة الاولى، انه لا يوجد سوى نافذة واحدة مخصصة لتسديد الفواتير، وعلى الحشد البشري ان ينتظم بالدور وهنا حدث ولا حرج عن اللكمات والدفعات التي تلقيتها وانا احاول الوقوف في الصف. طابور طويل من البشر من كل الاعمار، قليل منهم من يضع كمامة على وجهه اما التباعد الاجتماعي فلا مجال له في الطابور والا سيستغلها بعض الظرفاء للدخول في الصف.

في وقت الانتظار الطويل والممل ليس لي من سلوى الا هاتفي المحمول. انتقل من محادثات الواتس اب الى وسائل التواصل الاجتماعي ومنها الى بعض المواقع الاخبارية، اقرأ واتابع اوضاع بلدنا المتعب والمنهك. يمر الوقت ببطء شديد بل تشعر ان الساعة لا تريد ان تعمل، انظر الى الامام بين الفينة والاخرى صوب نافذة الدفع، فالاحظ ان كل واحد يستغرق وقتاً طويلاً يصل احياناً لعشر دقائق وهو امر مستغرب فلماذا المماطلة؟.

 عندما اقترب دوري عرفت سبب المماطلة التي كنت اظنها ناتجة عن بلادة الموظف او عجرفته. لا لقد ظلمته، السبب في التأخير المصاحب لكل معاملة هو ان ادارة اوجيرو لم يعد في استطاعتها تسديد فواتير شراء المحابر والاوراق لارتفاع اسعارها، ولان وزارة المال لم تحول اي اموال الى خزائن اوجيرو الخاوية منذ اكثر من سنة. لذلك استبدلت الشركة الفواتير برسالة نصية الى الهاتف الخلوي للمواطن، مما يستوجب ادخال رقم الهاتف على برنامج الدفع وانتظار وصول الرسالة للتأكد من تسديد الفاتورة.

اخيراً اصبحت في مواجهة امين الصندوق، شاب في مقتبل العمر، تبدو على وجهه الممتلئ علامات الادب والكياسة، استقبلني بابتسامة لطيفة مشجعة، حييته وامليت عليه رقم الهاتف، قاطعني مقدماً اسمى آيات الاعتذار لعدم تمكنه من اتمام عملية الدفع لان النظام الالكتروني للتسديد يغلق تلقائياً عند الساعة الثانية عشر ظهراً، نظرت في ساعتي فاذا بي الحظ التقاء عقربيها، تعالت الهمهات من خلفي تلاها سيل من اللعنات والشتائم. اما انا فابتسمت ابتسامة يأس وقنوط، مهما قلت وفعلت ليس باليد حيلة، وتقريع الموظف لن يفيد في شيء فهو ايضاً مغلوب على امره.

وقد نصحني الاخير بالتوجه الى احد فروع OMT لاوفر على نفسي الوقت. شكرته واستدرت لاعود ادراجي من حيث اتيت. وانا اهم بالخروج من المبنى، مسحت الطابق الفسيح باكمله فلم اجد اي موظف في مكتبه. لا اعلم ان كان غياب الموظفين جزء من اجراءات الوقاية من كورونا عبر التخفيف من الاختلاط، ام انها هي تلك العادة السيئة التي اقترنت بادارات الدولة المهترئة.

في كل الاحوال وجدت احد فروع OMT، دخلت وسددت فاتورة الهاتف خلال دقائق معدودة مضافاً عليها عمولة زهيدة دفعتها عن طيب خاطر. فبين الانتظار ساعات في طابور لا ينتهي وتضييع الوقت والمخاطرة بالتقاط عدوى كورونا، وبين تسديد عمولة تساوي ثمن فنجان قهوة، الخيار سهل وواضح، اما الموظفين فهنيئاً لهم دفء الفراش الوثير في صباحات الشتاء الباردة الا عندما…. يتظاهرون للمطالبة بزيادة الراتب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s