القبلية في عصر الرقمية

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر الحجار

كل ما في الكون خلق لوظيفته ودوره، وكل منهم له طبيعته المختلفة عن الاخر او المتماهية معه، وكل مخلوق يقوم بوظيفته اما بثبات في دوره او بتغير تحتمه التطورات، وهذا يرجع لا محالة الى طبيعة تكوين كل مخلوق ولما خلق له. ومن جملة المخلوقين لوظائهم وادوارهم كان البشر في قبائل متفرقة وشعوب مختلفة.

وقبل التحول الرقمي الذي خلط كل الادوار، كنا بشرا طبيعيين لكل منا إسمه. لكن مواقع التواصل الاجتماعي التي خطفت الكثير من قيمنا الإنسانية، عززت مفهوم التصنيف، والتعصب القبلي عند الناس.

 القبلية الجديدة لا تعني التنوع ولا الإنتماء. القبلية اليوم توحد الناس حول أفكار واهية وفارغة على شكل قبائل يتناحرون فيما بينهم ويتصارعون حول اللاشيء.

فلطالما كان الشعور بالإنتماء إلى فكرة، أو مبدأ أو شخص هو أمر طبيعي. أما نقل الإنتماء من الحقل السياسي أو الثقافي إلى الحقل المجتمعي محملاً بالكره والبغض تجاه الإنتماء الآخر فهذا ما يسمى بالقبلية في عصرنا الحاضر.

المتطرفون يستغلون منذ فترة طويلة رغبة الناس بالانتماء لاجتذاب الأفراد المهمشين والضعفاء إلى جماعتهم. بل إن مظاهر الإرهاب الحالية قد عُرِّفت بأنها موجة الإرهاب القبلية الجديدة. فـالتنظيمات الجهادية، تشير إلى أخوة من الـمُتساوين وإلى شعور بالجماعة في دعايتها التي يجب أن يحميها المقاتلون الأبطال من القوى الخارجية والشريرة. وبالمثل، تصف الجماعات اليمينية الجنسية أو العرق بأنها تحمي قيما وطنية وتحتاج إلى الحماية من الغزاة الذين يسعون إلى تقويض ثقافة البيض واغتصاب النساء البيض. وبمجرد أن يتم نسج هذه القصص عن القبائل بشكل فعال – مما يخلق تهديدًا خارجيًا يسعى إلى تدمير القبيلة ويعزز الشعور بالإلحاح للعمل لضمان مستقبل أفضل لأطفال القبيلة – يمكن استخدام القبلية للتطرف.

تمثل القبلية الميل البشري إلى إنشاء مجموعات على أساس أوجه التشابه الحقيقية أو الوهمية. ويسعى أفراد هذه الجماعات إلى حماية زمرة هؤلاء، وتقديم التضحيات، والدفاع عن “قبيلتهم”. ويمكن تشكيل القبائل حول معايير مثل الجنسية والعرق والدين والمبادئ. ويمكن أن تكون الاختلافات مقبولة على نطاق واسع و”موضوعية” أو تحددها الجماعة نفسها، على سبيل المثال الرأي القائل: بأن هذه المجموعة الإسلامية لديها “مسلمون حقيقيون”، باعتبارهم الأشخاص الوحيدين الذين يدعمون نظرتها المحددة للعالم.

ولقد تحولت المظاهر المظلمة للقبلية من مجالات المنظمات المتطرفة إلى الأغلبية، سواء في الخطاب الاجتماعي أو في الواقع المادي لوجودنا. إن أوروبا اليوم لديها تقريباً نفس الحواجز التي كانت تواجهها قبل الحرب العالمية الثانية، إن لم يكن أكثر، الاستقطاب السياسي بين القوى الشعبوية اليمينية والقوى المحافظة التقليدية والقوى اليسارية. وقد أدت مجموعة صغيرة نسبيا من المتطرفين الذين يرتكبون عددا أقل من الهجمات الإرهابية إلى إحداث تأثير الدومينو في الاستقطاب القبلي، الذي صاحبه خوف متزايد من “الآخر” بسبب الهجرة وتآكل الثقة في النخبة السياسية والاقتصادية. وقد بدأت دورة من التطرف المتبادل للآراء وتعميق الانقسامات. وإذا استمر هذا الاتجاه، فمن المرجح أن يغذي التطرف من جميع الأطراف.

وفي المجتمعات العربية، حيث تضعف الهوية ويتخبط العقد الإجتماعي، صار المجتمع مجموعة قبائل متناحرة متصارعة. تتنافس في كل شيء وعلى اللاشيء. أسهل ما فيها أن تصنف الناس وتخلق صورا نمطية. قبائل مكونة من أشخاص متعصبين لا مسؤولين، لا يمكنهم المشاركة في النقاش حول أية قضية دون التموضع في قبيلة وبصراع قبائلي مع ”الآخر”.

للأسف ما يحدث اليوم، سخيف لدرجة لا يمكن اعتباره إلا صراعا على اللاشيء من دون بلورة رؤية حقيقية للعالم الذي نريد، وبغياب لمشاريع وأفكار يمكن ان تشكل اساسا لنمونا.

و بما أن التغيير يبدأ بالتجربة الفردية، علينا أن نخرج من قبيلتنا ومن تصنيف الناس، وإذا كان  لا بد من أن ننتمي لقبيلة فلتكن قبيلة “حقوق الإنسان” ضالتنا. ننصارها ونحميها أينما كنا. ولنتذكر ألا داعي أن نتموضع حول موقف في كل قضية.

ولنؤمن أن صراعات التغيير الحقيقة لا يمكن أن تكون قبلية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s