الحجر في ليال عشر..

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مصطفى العويك

كان لا بد من الحجر بعد صدور النتائج الايجابية. والحجر اما ابواب مغلقة على سرديات عائلية تجعل من المحجور خليطا بديهيا يمزج  مع وصفة اضاعة الوقت، او نوافذ تفتح من طيات عزلة قصرية على ربيع يحمل معه ولادة جديدة، او بالحد الادنى قراءة اكثر سعة للاحداث يتحتم بعدها اجراء تحولات شخصية ومع المحيط.

والحجر في المنازل التي تكثر فيها الغُرف مدعاة لقلق أكبر، عندما تدرك ان زاويتك واحدة وركنك واحد لا يتعقبك القلق بلباس شرطي في كل تكايا الغرف، ولا تشعر بأنك المتهم الوحيد في كل جرائم الانسانية عبر العصور.

ان تكون محجورا داخل غرف متعددة تتولد لديك معاناة مضاعفة، هذه الغرفة غير مطلة على الحياة، بالتالي لا تصلح ان تشكل بيئة آمنة لتوترك لينام عليها فيهدأ، والأخرى فيها العاب الاطفال وهم سيدخلونها في اي وقت، وانت بنظرهم من جيش الاحتلال، دخلت الغرفة من دون تصريح فعليك الخروج فورا مع دفع غرامات تتخذ شكل العاب جديدة حينا او وعود بمشاوير للفرح في القادمات من الايام. الثالثة وهي مكتبك الخاص وركنك الدافئ تتحول في ايام الحجر الى محج لكل افراد العائلة، ما ان تدخلها حتى يلحق بك الاصغر فالاوسط واتباعهما لك يعني تلقائيا التحاق “الشيخ الاكبر” بهم والبدء بسيرك من الاستعراض لا ينتهي الا بوقوع احدهم او زعل الاخر…

واياك وانت في الحجر ان تدخل الخلاء فسيقف الجميع على الباب ينادونك “بابا”، ببكاء حينا وبأغنية “بابا انا بحبك يا بابا..تعى يا بابا يلا يابابا” حينا آخر، ما يضطرك في كثير من الاحيان الى تنفيذ هبوط اضطراري لزوم المحافظة على الاستقرار والأمن الداخليين.

أما الفرندا الكبيرة المطلة على البحر والجبل التي كنت تتباهى بها امام الاصدقاء، لتحثهم على زيارتك، فانك لن تنعم بها في حجرك، كأنك تجازى لتنمرك عليهم بها، فما ان تفتح بابها حتى يستيقظ من هو نائم منهم فيتبعك، لكأنك طرقت الجرس في اذنه لايقاظه، او لكأنه ربط منبهه الداخلي على تحركاتك، فما ان تهم بحركة حتى تلتقط راداراته ذبذباتها فيسرع ملتصقا بك بألف الف اسلوب احتيالي، لكأن الاحتيال يخرج من بين يديه أمهر من خروج الكلمات من بين شفتيه.

في الحجر المنزلي مع العائلة، تتدرب اكثر على الصبر، لا عليك تذكر أيوب عليه السلام، ستكونه كل ثانية ولحظة، والا فان الغضب سينفجر، والانفجارات مكلفة هذه الايام…

لن تتمكن من اغلاق الباب على غرفتك لتجلس وحيدا مع كتبك واوراقك وافكارك، متأملا ما يجري مفكرا بما سيأتي، باحثا بين المواضيع المتنوعة عن ثغرة للكتابة عنها، ربطت فرجينا وولف الابداع الكتابي بأمرين أساسيين: الاستقلال المالي الذي يؤمن راحة فكرية لصاحبه، وبالعزلة او قل باغلاق باب الغرفة الخاصة بك باحكام، لكنها لم تتحدث عن وضع الفلين العازل بين الجدران كما فعل مارسيل بروست حتى لا يسمع اي ضجيج قادم من العالم الخارجي وهو يبحث عن “الزمن الضائع”.

لا “غرفة تخص المرء وحده” وهو عنوان كتاب وولف، ينفع، ولا فلين بروست، لانه في يوميات حبسك هذه، ليس على المرء الا ان “يبدع” مع اولاده بأمور أسلس وأسهل، ان تتقن فرك الظهر مع التدليك للأول والثاني وتترك الثالث لصغره مع أمه، ثم تحثهما منباب المداعبة على التخيل انهما بسفر طويل تحت “رشاشة المياه”، يغمضان اعينهما ويحدثانك عما يحلمان به، والمياه تتدفق على جسديهما الخاليين الا من “بوكسر” تهرب منه سيارة السباق الحمراء الى كاراج قريب لتنعم بشيء من الهدوء بعد ضجيج يوم مثقل بـ”النقار”.

وعليك بعد تجهيز الفراش لهما ان تساوي بينهما في الحكايات والاغنيات ولغة “الزكزك” الخاصة بك وبهما، والا فان النوم خصم لهما، وهما يتقنان جيدا كيفية المراوغة مع الخصم للانقضاض عليه في التوقيت المناسب.

تخرج من الغرفة بعد اتمام مهمتك بنجاح، وتتوجه مباشرة الى كتاب بدأت المطالعة فيه، او نص تحرره للنشر، فيظللك النعاس ويأخذك التعب الى سريره وانت المنهك كل النهار من سعال، وشحرقة في الزلعوم، وضيق تنفس وآكلة أعشاب تنهك عظامك، وفوق ذلك لا أكل تستطعمه، ولا رائحة حبق الزوجة تلتقطه، فترفع راية بيضاء تلوح بها لكل ما اصابك طيلة هذا النهار، ممنيا النفس بيوم جديد لا اغلاق لباب الغرفة فيه ولا فلين في الحائط…لكن ما اكثر التمني وما اقسى الواقع.

الحجر في ليال عشر، بسبب الاصابة بالكورونا، حجر للروح في جسد مريض، تتعب الروح، تُستفز، تُنهك، لكنها لا رغم ذلك، تبقى صديقة الجسد الأولى، تشد على يديه، تمنحه طاقة لا تنضب، وتحاوره كمراهق ولا تيأس، لا يدخل الملل الى سنابلها، مقاومة شريفة تدربت على الاسترخاء وتسييل التوتر وصَهره، روح مدعمة بفيتامين المواجهة المفتوحة مع الاحباط، كما كان الجسد يدعم بفيتامين “سي” و”دي” ليقوى على الصمود.

الحجر في ليال عشر، الوقت دبابة روسية قديمة وثقيلة، لا هي تقصف بسرعة وتعود ادراجها، ولا لأحد القدرة على استعجال مرورها من هذا الشارع او ذاك…انها ايام مرهقة، القلق فيها شاحنة معطلة في اعالي الجبال، والنوم مهاجر شرقي مطارد في شوارع باريس على الشبهة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s