لماذا أعيش؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر الحجار

بعد كل حفلات الجنون العالمية والمحلية وبعد كل الأزمات غير المسبوقة، العودة الى جذور الانسانية أصبح حاجة أساسية اليوم.

 ببساطة مجردة، الانسان يشترك مع الحيوان بالكثير من الصفات الا أنه يختلف عنه بشكل جوهري بكل ما هو روحاني فالانسان يسأل لماذا أعيش؟ ويلتزم شعائر وطقوس جمالية مجتمعية تسمى “أخلاق”.

فاذ يسأل الانسان لماذا يعيش، يبحث يوميا عن الحقيقة، عن الاله، عن الحب وعن الأثر الذي يمكن أن يتركه في الحياة التي يتطلع اليها. وحقيقة الانسان هي خليط روح وجسد لا تكتفي بسؤال كيف أعيش؟ بل تختص بسؤال لماذا أعيش؟ ومن دون السؤال، تصبح الحياة والمشاعر والجماليات بلا معنى.

خلال حرب فيتنام، كان جندي أمريكي بائس يعمل كمسعف طبّي بدور بسيط ومحدد: لملمة الاشلاء، بتر الأطراف والقتل الرحيم للجنود المصابين. أي انه يرصد بدوره الموكل اليه أبشع المشاهد يومياً ويتعامل مع الموت والمعاناة كل لحظة.

بمرور الوقت، فقد الرغبة في الحياة تماماً، خاصة أن فكرة انسحاب امريكا من الحرب كانت مستحيلة بحسب تصريحات المسؤولين. فقرر أن ينتحر و قال لنفسه بدل الموت برصاصة أو تمزق جسدي لاشلاء بانفجار، سأسبح في البحر بأقصى قدراتي، حتى تنهار قواي وأستسلم للغرق.

 ولما ابتعد كثيراً عن الشاطئ بالفعل، وبدأ يستسلم للغرق، فجأة انتبــه لنفسه وقال حسب مذكراته:” ماذا أفعل و بالأساس لماذا أعيش في هذه الحياة؟”.

 بعد الموقف بحوالي خمسين سنة، صار كـل العالم يتكلم عن نفس الجندي البائس، لكن يضيفون قبل اسمه كلمة بروفسور، لأنه بات البروفسور كريغ فينتـر، أحد أشهر واهم الـباحثين في العالم ، والعرّاب الاساسي لمشروع  الجينوم البشري.

 فماذا لو كان انتحر أو لم يسأل لماذا أعيش؟ كان سينتهي جنديا وجد منتحرا في لحظة إحباط وربما لم يكن ليُعثر على جثمانه أصلاً، ولم يتذكره أحد في أي موقف وربما كان تأخر، أو لم يظهر أصلاً مشروع الجينوم البشري الحالي.

أما بالنسبة لمفهوم الأخلاق الذي اشرت له في بداية النص، فهي قائمة بشكل جوهري على مفهوم التضحية.  فالتضحية هي الحد الفاصل بين الانسان والكائنات الأخرى. ماديا كل قيمة أخلاقية لا تمتلك أي معنى فمثلا مساعدة محتاج أو مراعاة عجوز لا نفع ماديا يرجى منها. أما روحيا فهو أهم معنى وأخلص قيمة.  فمثال ذلك هو هذا الرجل  الذي يخترق بيتًا يحترق لينقذ طفلًا، ثم يخرج بجثته بين يديه، دنيويًا وماديًا هو فاشل، أما روحيًا، في عالم آخر، هو بطل.

ومن هنا تظهر المفارقة بين المادية والروحية في رؤية الكون؛ فالمادية ترى الإنسان هيكل عظمي لا ترى جمالًا ولا قيمة ولا معنى. أما الروحانية والأخلاق فترى معنى، جمالًا، حسًا، وتستطيع الروحانية التفرقة بين الإنسان الخلوق والخسيس.

ولنكتب نحن روايتنا الخاصة علينا ان نسأل مع الجندي البروفسور لماذا نعيش؟ ما علينا ان نفعله؟ لتكون حياتنا بالشكل الذي نريده؟ وهل ننهج نهج المادية فنضع الاخلاق جانبا ونقدم كل مصلحة ومنفعة؟ ام نتسامى بمفهومنا الانساني فنعيش وفقا لروحانية الخير العام لا لمبدأ المنفعة؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s