دعوة للخروج من “بطن الحوت”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر الحجار

عملت عام ٢٠٠٨، كمساعد سائق لدى شركة “بيبسي”، كانت وظيفتي مراقبة أداء السائق. كنت حينها يائسا محبطا، وفي الوقت عينه كنت في بداية مشوار البحث عن كل ما يخص “الحياة”.

كانت جولاتي والسائق “ابو شادي” تطال مختلف المناطق الشمالية، بعد فترة من العمل سويا، وتبادل الاحترام وارتفاع منسوب الثقة بيننا، وجدت نفسي اصارح العم ابو شادي لا أدري لماذا، بمدى اليأس الذي أعيشه، وقلة حيلتي…

وردا عل كلامي قال ابو شادي كلاما مختصرا لازال صداه يرن في داخلي خاصة كلما شعرت ان الاجواء العامة تأخذنا الى اليأس أكثر ما تضعنا على طريق الامل، قال: ” عزيزي سامر، أنت في بطن الحوت، اخرج منه سريعاً”.

 أدركت أنه يقصد حوت يونس عليه السلام. كان  يونس نبياً كريماً أرسله الله تعالى إلى قومه فراح يعظهم ويرشدهم إلى الخير. نصح قومه فلم يؤمن منهم أحدا.

جاء يوم على يونس فأحس باليأس، فعلياً بالإحباط من قومه، وامتلأ قلبه بالغضب عليهم لأنهم لا يؤمنون، فذهب إلى شاطئ البحر وقرر أن يركب سفينة تنقله إلى مكان آخر ويتركهم. لم يكن الأمر الإلهي قد صدر له بأن يترك قومه أو ييأس منهم. وظن يونس أن الله لن يوقع عليه عقوبة لأنه ترك قومه، غاب عن يونس عليه السلام أن النبي مأمور بتنفيذ مهمته في هذه الحياة، ولا عليه أن تنجح أو لا، المفروض أن يدعو لله ويترك مسألة النجاح أو عدمه للخالق.

ركب يونس عليه السلام السفينة فغلبه النوم من شدة التعب، ثم ما لبث ان استفاق فزعاً بلا سبب مفهوم. حان وقت المد، رفعت السفينة حبالها، وانسابت على وجه الماء مبتعدة عن الرصيف، مضت السفينة طوال النهار وهى تشق مياها هادئة وتهب عليها ريح طيبة. وجاء الليل على السفينة، وانقلب البحر فجأة… هبت عاصفة مخيفة كادت تشق السفينة، وبدت الأمواج كمن فقدت عقلها فراحت ترتفع وتهبط، والأمواج تكتسح سطح المركب ، ووراء السفينة كان حوت عظيم يشق المياه وهو يفتح فمه ، صدرت الأوامر إلى أحد الحيتان العظيمة فى قاع البحر أن يتحرك إلى السطح، أطاع الحوت الأمر الصادر إليه من الله وأسرع إلى سطح البحر. مضى يتعقب السفينة كما تقتضي الأوامر، واستمرت العاصفة…

وزاد صراخ الرياح وهب يونس عليه السلام فزعاً من نومه فرأى كل شىء فى الغرفة يهتز ، صعد على سطح السفينة. لم يكد يراه القبطان حتى قال سنجرى القرعة على الركاب ومن خرج اسمه ألقيناه فى البحر، وكان يونس عليه السلام يعرف أن هذا تقليد من تقاليد السفن عندما تواجه العواصف ، وهو تقليد وثني غريب.

ومن هنا بدأ بلاء يونس ومحنته، وأجريت القرعة فخرج اسم يونس عليه السلام، وأعيدت القرعة ثلاث مرات فلم يخرج إلا اسم النبي الكريم. انتهى الأمر وتقرر أن يرمى يونس نفسه فى البحر، أدرك يونس وهو يعتلي خشب السفينة أنه قد أخطأ حين ترك قومه غاضباً وبغير إذن من الله ، وظن أن الله لن يوقع عليه عقوبة.

سقط يونس عليه السلام فى البحر، وجد الحوت سيدنا يونس وهو يطفو على الموج، فالتقمه وأغلق أنيابه العاجية عليه، وعاد إلى أعماق البحر، فوجئ يونس بنفسه فى بطن الحوت والحوت يجرى به فى جوف البحر، ظن يونس أنه مات، حرك حواسه فوجدها تتحرك ، إذن هو حي لكنه سجين وسط الظلمات.

بدأ يونس يبكي ويسبح لله وبدأت رحلة العودة إلى الله وهو سجين فى بطن الحوت. فتحرك قلبه بالتسبيح لله وتحرك بعدها لسانه وظل يردد “لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين”.

وكأن الحوت قد تعب من السباحة فرقد فى قاع البحر واستسلم للنوم وبالرغم من هذا استمر يونس فى تسبيحه لله لا يتوقف ولا يهدأ ولا تنقطع عبراته.

ورأى الله سبحانه وتعالى صدق يونس فى توبته فأصدر الأوامر إلى الحوت أن يخرج إلى سطح البحر ويقذف بيونس من جوفه عند جزيرة حددها له، وبالفعل أطاع الحوت…

اليوم، نحن جميعا نعيش في بطن الحوت المتمثل بالاحباط المسيطر على عقولنا وحركتنا. لكن ما يجب الاشارة اليه ان بطن الحوت مرحلة عابرة، ومحطة تجارب، وان المهم ان نكتشف انفسنا لنتجاوزها لا من ، أجل النجاة  فحسب ، بل من أجل المجتمع أجمع.

الكثير منا في بطن الحوت والعديد منا يهرول ليكون هناك. بعضنا أي الأقل من القليل خرج و نجا. هذا البعض هو الحالم، المتحدي، القوي رغم كل التحديات. هذا البعض رفض أن يكون عابرا بين الكلمات و سائحا ساذجا في التاريخ. هذا البعض قال حشانا لم نخلق عبثاً. هذا البعض هو من يؤمن بضرورة القيام لدور ما مهما شعر بالتعب، لأنه سيأتي الفرج يوماً من عنده سبحانه. فالله حافظ عباده مهما حدث لهم، فبقى سيدنا يونس في بطن الحوت دون أن يموت، وقد أعاده الله للحياة. أما أنت يا صديقي فيحتاجك العالم اليوم قبل الغد  للخروج من الحوت و خوض معترك الحياة الدنيا..فهل أعدت العدة لذلك؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s