محاولات ماكرون لـ”فرنسة الاسلام”…؟!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي- سامر زريق

لا يمكن اعتبار ما يحدث في فرنسا ردة فعل على مقتل مدرس تاريخ من قبل احد اللاجئين المسلمين، وليس كما يقول الرئيس ماكرون: “حماية لحرية التعبير ودفاعاً عنها”، بل هي سياسة رسمية اعتنقتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ زمن بعيد وتطورت عبر الزمن خاصة عقب انهيار الشيوعية.

 سياسة تقوم على تصوير الاسلام  كـ “دين خصم” للدولة وعلمانيتها المقدسة في فرنسا، وهو ما كرره ماكرون في اكثر من مناسبة بكلمات مواربة، تشيد بالعلمانية وتؤكد على استمرار نهجها ايا كانت ردات فعل الاخرين من المسلمين عليها.

وهذه السياسة تمهد لبناء “اسلام فرنسي” يراد له ان يكون دينا تحت سقف العلمانية الفرنسية، ليمثل انتصارا لمبادئ الدولة الباريسية التي يتباهى ماكرون وسواه انهم دفعوا الكثير من الدماء والاثمان عبر التاريخ لتتحقق. فيصبح الاسلام الفرنسي متناغما مع أسس الدولة العلمانية، وهي معادلة خارجة عن كل منطق وعقل.

سعي “لفرنسة” الاسلام

 تحتضن فرنسا الجالية الاسلامية الاكبر في اوروبا والتي تبلغ 6 ملايين نسمة حسب احصاءات غير رسمية (يمنع القانون الفرنسي تعداد السكان حسب الاعراق او الاديان او المذاهب الفلسفية)، ما يشكل حوالي 8% من اجمالي سكان البلاد، كما يوجد فيها ما يقارب 2100 مسجد، وقد حاول الرؤساء المتعاقبون وضع طابع فرنسي على الاسلام بما يضمن تناغمه داخل المجتمع ويتماشى مع القيم العلمانية في فرنسا.

وتابع ايمانويل ماكرون مسيرة اسلافه وعمل على تطويرها عبر طرحه لمشروع قانون مثير للجدل لـ”مكافحة الانفصالية” في فرنسا، والذي على الرغم من تأكيدات القائمين عليه انه يشمل كل التهديدات العنصرية، يرى مراقبون انه يستهدف بوضوح العنصر الاسلامي في البلاد.

 مشروع القانون الذي يتضمن عدة نقاط بارزة، ركز فيه ماكرون على تحرير المساجد والمدارس من التأثيرات الاجنبية عبر التخلص تدريجياً من الائمة المبعوثين من دول اخرى لغاية عام 2024.

كما طالب في الوقت نفسه برفع عدد الائمة المدربين في فرنسا، وقد اطلق لهذه الغاية في كانون الثاني الماضي “الجمعية الاسلامية للاسلام” في فرنسا في خطوة منه للتحكم والسيطرة على تمويل المساجد والائمة بشكل اكثر صرامة.

 وارفق ماكرون مشروع القانون بتصريحات كثيرة طالت المسلمين، وتزامنت الحملة مع الجولة الاولى للانتخابات البلدية (المحلية) في شباط الماضي في توقيت مريب، حيث اتهم ماكرون بمغازلة اليمين المتطرف بورقة معاداة المسلمين، ورغم ان حزب ماكرون لقي هزيمة كبيرة في تلك الانتخابات، يبدو انه لا زال مصرا على انتهاج سياسة اكثر عدائية تجاه المسلمين، عبر عنها في كلمة له قبل ايام من مقتل المدرس قال فيها” ان الاسلام في ازمة”. كما قال رئيس الوزراء جان كاستيكس، في وقت سابق في الجمعية الوطنية بالبرلمان، إن مواجهة الإسلام السياسي تعد من أولويات الحكومة الفرنسية.

اختلاف وجهات النظر الفرنسية حول الاسلام

الا ان السياسات المعارضة للاسلام لا تجد اجماعاً او تاييداً عارماً داخل فرنسا نفسها، حيث يذهب كثير من علماء الاجتماع الفرنسيين والمحللين ومراكز الابحاث والاحصاءات الى ان الحكومات الفرنسية المتعاقبة تنتهج اسلوباً خاطئاً ومنفراً يرتد بشكل سلبي على المسلمين والفرنسيين على حد سواء، وانها تتعمد فعل ذلك للتغطية على قصورها في معالجة مشاكل اجتماعية واقتصادية مزمنة ابرزها احياء المهاجرين المنتشرة بكثافة في المدن الرئيسية الكبرى في فرنسا حيث يتجاور الفقر والتهميش والبطالة والتسرب المدرسي وانعدام الامل، ويشكل سكانها مجموعات منعزلة عن الثقافة الفرنسية، وتعد قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في اي وقت.

وفي هذا الاطار قال البروفسور “فرهاد خسروخاور”، وهو عالم اجتماع فرنسي من أصل إيراني، أن “فرنسا تسير منذ أكثر من 30 عاما في الطريق الخطأ في سياستها تجاه الإسلام، منبهاً إلى أن العلمانية تحوّلت من نظام للحفاظ على حياد الدولة إلى دين مدني، تتعارض معاييره المقدسة مع معايير الإسلام”. وان الوقت قد “حان لمراجعة شاملة لهذه السياسة التي تأتي بنتائج عكسية على مستويات عدة، فهي تتسبب في عزل الغالبية العظمى من المسلمين الذين يشعرون أنهم مستهدفون من قبل التشريعات المقيدة بشكل متزايد، والتي من المرجح أن تصمهم بالعار بسبب دينهم، كما أنها تروج للأصولية من خلال إنكار التنوع في السلوك الإسلامي”.

كما افردت صحيفة واشنطن بوست مقالاً للكاتب والمورخ جيمس ماكولي (دكتوراه في التاريخ الفرنسي من اكسفورد) ينتقد فيها السلطات الفرنسية التي يقول انها “عوضاً عن معالجة اسباب عزلة المسلمين الفرنسيين خاصة في الاحياء الهامشية والضواحي والتي يتفق خبراء على نطاق واسع انها السبب الاساسي الذي يجعل البعض عرضة للتطرف والعنف، تهدف الحكومة الفرنسية الى التأثير على ممارسة ديانة عمرها اكثر من 1400 سنة، يتبع تعاليمها حوالي ملياري شخص “مسالم” حول العالم، عشرات الملايين منهم يعيشون في الغرب”

هذه الاراء وغيرها الكثير من ممثلين وديبلوماسيين ومنظورين من الرأي العام، لم تجد اهتماما من ماكرون الذي يمعن في الضغط على المسلمين واهانة مقدساتهم تحت غطاء مكافحة الانفصالية والدفاع عن حرية التعبير.

 وهو استغل الحادثة الشنيعة المتمثلة بقطع رأس المدرس الفرنسي، ليفرض المزيد من  الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي وحظر كل تغريدة او تدوينة تخالف المعيار الفضفاض الذي وضعته السلطات لمفهوم الكراهية وملاحقة كاتبيه، واعداد قائمة تتضمن مئات الاسماء لابعادهم عن البلاد، فيما يمكن تصنيفه انتهاكا لحرية التعبير التي يزعم الدفاع عنها.

فهل تكون الجريمة مدخلا لاعادة النظر بسياسة ماكرون تجاه الاسلام؟ ام اننا سنشهد مزيدا من السير قدما نحو خطابات عدوانية تطال الاسلام والمسلمين في فرنسا، لتحقيق مآرب انتخابية وسياسية ضيقة على حساب جالية هي الاكبر في اوروبا؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s