الاحباط السني: بين التنازل والتشاطر والمحاضر!!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مصطفى العويك

ثمة لازمة تتكرر منذ سنوات ليست ببعيدة، لازمة “سنية” الشكل، “سياسية” الجوهر، فحواها ما اصطلح على تسميته “احباط أهل السنة” في لبنان. وهي عبارة دخلت حديثا قاموس الحياة السياسية اللبنانية، تقريبا بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، لتصف واقعا محبطا وتعبّر عن مأساته.

على أن هذا المصطلح المستجد، مطاطي البنية، يوظف وفقا لأجندات سياسية، ويستخدم كمحتوى رئيسي في بروبغندا اعلامية يعمل على اطلاقها البعض للتصويب على من يعتقد انه السبب المباشر لاحباط السنة في لبنان وافقادهم القدرة على الفاعلية السياسية والديناميكية التي اتصفوا بها عبر التاريخ.

في المقابل يعمل الرئيس سعد الحريري على نفي هذه التهم، ويدّعي مفاخرا انه جنّب سنة لبنان الحريق السوري والتهجير العراقي والالتهاب اليمني القاتل، يقول علنا:” السياسة ان تحمي جمهورك وتحافظ على حضورك”، فيرد عليه هؤلاء:”جمهورك أحرق وهجّر وقتل وانت بتَّ الغائب الاكبر”. فأي الفريقين أقرب الى الصواب؟

أولا لا بد من الاقرار ان السنة على مستوى الاقليم يتعرضون لاستهداف مباشر وحقيقي. فسنة الاقليم ليسوا على ما يرام، الالتهابات الداخلية تنخر عظامهم، الكلاوي معطلة، القلب بحاجة الى بطارية لا تصنع في الصين ولا تشغل من اميركا ولا تزوّر في طهران، يحتاج الى بيئة عربية صافية ليعود الى عمله نشطا، المعدة مصابة بتمزق الغشاء الخارجي، ويصعب عليها هضم ما تتلقاه من مصائب وحروب وكوارث.

والجسد السني في بيروت، امتداد للجسد العربي المتكئ على عصا ليست ملكه ولا شغل مصانعه، وهو ليتجنب السقوط يحتاج الى سند، السند مشغول بحروبه داخل بيئته وعشيرته، واطفاء نيران بيته يتقدم لديه على اطفاء نارنا اللبنانية، يومئ لنا انه حزين لحريقنا ويرسل لنا بعضا من “الطفايات” لكنها لا تكفي، كان بالأمس جوادا استثنائيا بالسؤال والسياحة والدعم والتضامن، اما اليوم وبعد ان اطلق حزب الله صواريخه المقدسة تجاهه، بات من حقه ان يسأل نفسه لماذا وكيف والى متى؟

داخل هذه المشهدية وفي زواريبها يكثر النقاش وتتعالى الاتهامات: تفريط بحقوق الطائفة، تنازل عن صلاحيات الرئاسة الثالثة، انبطاح سياسي غير مسبوق للعهد والثنائي الشيعي، افقار المناطق السنية، التسليم الكامل والتام للخصوم شرط البقاء في السلطة، تسويات قاتلة فاشلة دمرت لبنان وافقدت السنية السياسية فيه كل امكانية على المجابهة والتحرك.

فهل هذا صحيح؟

ينطلق اصحاب هذه النظرية من مسألتين أساسيتين يرتقيان لديهما الى مرتبة الجريمة، ارتكبهما سعد الحريري الضعيف والجبان والطامح بكرسي الحكم، وهما: ربط النزاع مع حزب الله، والتسوية الرئاسية. الأولى دليل ضعف وخوف والثانية للعودة الى الحكم ولو من بوابة الخضوع والارتهان والذل السياسي، لطائفة بأمها وأبيها.

كان في عداد اصحاب هذه النظريات شخصيات سنية بارزة: أشرف ريفي في طرابلس، الاسلاميون/ ثم لاحقا بعض رؤساء الحكومات السابقين مع التزامهم بالصمت، ونهاد المشنوق في بيروت، ومن ثم نجيب ميقاتي في طرابلس ايضا.

اشرف ريفي وفراغ الخطاب

تمحور خطاب أشرف ريفي حول خطورة الحزب وضرورة مواجهته بشتى الطرق، وهو صاحب نظرية: انسق مع الحزب امنيا ولا افاوضه سياسيا، أي اني اسمح له بلعب دور امني بحكم سلاحه الذي أعترض عليه، لكني أرفض إقامة ربط نزاع سياسي معه، وهي نظرية ريفية بحت، يطبقها الاولاد دون سن العاشرة في علاقتهم البينية.

لم يعمّر هذا الخطاب كثيرا، فاز ريفي بانتخابات بلدية طرابلس رفضا للاحزاب مجتمعة وليس تكريسا لزعامة سياسية، لكنه توهم الزعامة فمني بخسارة نيابية على رغم كل خطابات التصعيد التي اطلقها في وجه حزب الله، وبيانات الخيانة التي وزعها بحق الحريري. لكن ما هو مشروع ريفي السياسي الذي يمكن ان يتوجه فيه للناس كبديل عن الحريري؟ كان عبارة عن رشاش كلامي يطلق عيارات شعبوية ما تلبث الناس ان تنساها عندما تخلد الى النوم. مشروع ريفي جعل الناس تنفض عنه، من يذكره اليوم؟ نشكر بالنيابة عنه فيسبوك لكثرة ما يذكرنا به.

تجربة السنيورة

تجربة الرئيس السنيورة والمقربين منه ولجنة العشرين كانت اكثر نضوجا، حاججوا الحريري في خياراته ونصحوه وحشروه في الزاوية في اكثر من مناسبة، لكنهم لم يخرجوا عليه، بقيت اجتماعاتهم رغم التسريبات داخل قاعة الاجتماعات، لاعتبارات كثيرة، سياسية وعاطفية ومعنوية. الى ان اختار الدكتور رضوان السيد “الخروج السياسي” على الحريري، وراح يطرح الافكار بداية والميني مشاريع التي من شأنها ان تعيد الحيوية والدور الى الحضور السني الغائب عن المشهد الوطني، لكن لم يسجل للسيد اي نجاح يذكر في هيئاته التي اطلقها ولجانه التي شكلها، وتحول اللحن مع الوقت، وتغيرت لغة الكلام، في البداية كان الهجوم على الحزب والعهد والتسوية المشؤومة ثم صار الاستهداف شخصيا، ولم يقصر من هم في فلك الحريري في الرد على التجريح الرضواني.

أين مشروع السيد للطائفة السنية؟ انه مشروع الدولة القوية العادلة، هوذا الكلام المستهلك الفارغ من اي مضمون يذكر، والذي لا يصلح ان يكون خطابا مقابلا لمن يقول انه يتنازل ويضحي ليبقى البلد وتبقى الدولة.

المشنوق مهندس التسويات!!

بعد ذلك خرج المشنوق نهاد، مهندس التسويات ومحاور الحزب ومنظّر فلسفة ربط النزاع، وضرورة انهاء الفراغ، انقلب على نفسه أولا وعلى الحريري ثانيا، ولم يقدم هو الاخر سوى بضع مقالات في “اساسه” تروج لانتهاء الحريرية السياسية، وتخلي صاحبها عن السنة في لبنان بعد اذلالهم ودعشنتهم وقتلهم وتهجيرهم، وهو الذي كان أشد الحرصاء على مجموعة كبيرة منهم يوم سحلها في سجن رومية تقربا لحزب الله وطمعا برئاسة موعودة.

مشروع المشنوق كان عبارة عن تصريح سياسي المضمون من منبر دار الفتوى كلما ارتأى ضرورة لذلك، فالدفاع عن الطائفة من دارها له ميزة خاصة لا يعرفها الا من يتقن توظيف المنابر لتعبئة العنابر، بعقل حاضر ولسان شاطر، يمكنان صاحبهما المتمرس بالسياسة من كتابة أجود التقارير والمحاضر. وقف يوما واعدا بكشف قتلة الشهيد وسام الحسن، ولما عرف الحقيقة بلع القضية حرصا منه على الطائفة السنية وكي لا تحبط أكثر، وهل يفهم صمته غير ذلك؟

ميقاتي واستعادة قرار طرابلس

أما ميقاتي فقد انشغل باستعادة قرار طرابلس من الحريري، كمدخل طبيعي لرفع الغبن عن سنتها واخراجهم من احباطهم وجوعهم ويأسهم الى رحاب الوسطية الميقاتية التي تحفظ بحكمتها دور الطائفة وتبعد كأس الهوان عن شبابها،  واستعان لذلك بأفقه المتكلمين الذين أسقطوا الايات القرآنية على المستجدات السياسية التي تتمحور حول الحريري وسياسته، لكن ميقاتي افتقد الى النجابة السياسية والاقدام، وهو يفتقد الى الشجاعة المطلوبة لدى كل من يتصدى لزعامة الطائفة، وكان مشروعه ردة فعل محلية على سياسة سعد البيروتية، فوجد ضالته في نادي الرؤساء السابقين حيث التكلفة أقل عليه. وهو يكاد يكون الوحيد من الذين اتهموا الحريري بتبديد مكاسب الرئاسة الثالثة وصلاحياتها، الذي يملك شبه مشروع محلي..يقوم على عدم جعل اي طرابلسي يجوع..

الاسلاميون والمشاريع الخاصة

الاسلاميون من جهتهم غالوا كثيرا في هجومهم على الحريري، وهم مجموعات متنوعة ومختلفة في الفكر والاهداف، ولا مشروع يجمعهم لا على مستوى الطائفة ولا على مستوى البلد، لديهم قضية “الموقوفين الاسلاميين”، وهي قضية محقة وانسانية، لكن يغيب عن خطابهم الطرح السياسي الذي من المفترض ان يشكل بديلا عن طرح الحريري…وتجربة بعضهم السياسية غير مشجعة، واتضح ان العمل السياسي ليس ضالتهم، انما المشاريع الخاصة على انواعها.

هؤلاء جميعا وغيرهم، يهاجمون سعد الحريري، يزايدون عليه كما قال، بعضهم صراحة يهاجمه اكثر من هجومه على الحزب والعهد، ونحن نتفق معهم في بعض ما يذهبون اليه في انتقادهم، لكن أين مشروعهم؟ اي طرح سيتقدمون به للناس ومتى؟ كيف سيرفعون الغبن عن ابناء الطائفة؟ هل لديهم خطة لذلك؟ هل تغيرت الظروف في الاقليم ليتقدم هؤلاء فرادى او متحدين بخطاب سياسي جديد يناقض خطاب الحريري؟ هل فعلا يحرص هؤلاء وسواهم على مكانة الطائفة ودورها في النظام اللبناني؟ ام يسعون فقط لمناصب وسلطة وجدوا انفسهم الاحق بها من سعد وسواه؟

ألم يكن هؤلاء على يمين سعد منذ ان بدأ مسيرته السياسية؟ لماذا لم يعترضوا وينصحوا ويحاججوا؟ ما الذي تغير اليوم لينقلبوا؟ أهي التسوية الرئاسية التي يفتخر المشنوق انه كان عرابها؟

سعد اجتهد داخليا في ظل اغلاق دوائر الاجتهاد اقليميا، أقام ربط نزاع مع الحزب، رحبوا به جميعا، خذل ناسه وجمهوره في محطات كثيرة، أخطأ ومشروعه يكاد يضمحل، فقد القضية الاساس والدعم والمظلة العربية، لكن بقي شئنا أم أبينا بحكم الواقعية اللبنانية، قطبا سياسيا أساسيا لديه تمثيله النيابي وحضوره الشعبي وان تراجع، وقدم مشروعا للمستقبل يرتكز على اموال سيدر، فماذا في جعبة كل هؤلاء؟ اين مشروعهم لنناقشهم فيه ونصفق لهم عليه ونسير امامهم لتحقيقه؟

لا شك ان “الاسلاموية السنية” في لبنان كما يسميها الدكتور نبيل خليفة، تعيش حالة ارتباك غير مسبوقة، تتخبط كمن مسه الجن، لا أفق لدورها ومكانتها وهي تنازع على الصلاحيات، والافضل اليوم من “لعن” الحريري وشتمه واستهدافه، هو طرح خطة انقاذ لانتشال الطائفة من القعر، والتقدم بمشروع جدي لها يشتمل على كل مكامن الخلل الحالية ويسدها، مشروع يتوق اليه السواد الاعظم من ابناء الطائفة-الأمة، فهل يمكننا ذلك؟ أم ان الهدف هو التصويب على الحريري لاضعافه أكثر، وتقديم اوراق اعتماد للخارج طمعا برئاسة وزارة او دولارات جرارة؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s