17 تشرين في ذكراها الأولى.. ماذا بعد تعويم السلطة؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي// سامر زريق

شكلت انتفاضة ١٧ تشرين الاول العام الماضي بسلميتها وفضائها المفتوح وحيزها المكاني الواسع الاطار الجاذب لمختلف اطياف الشعب اللبناني الغاضبين من السياسات المتبعة من قوى الحكم والتي اودت بالبلاد الى هاوية الافلاس المالي المقرون بانفجار اجتماعي.

ورغم ان الايام الاولى للانتفاضة الشعبية لم تشهد مشاركة كثيفة الا ان سلمية التحركات وعدم تلونها بالوان سياسية واقتصارها على مطالب اجتماعية محقة دفعت باللبنانيين الى المشاركة بكثافة في الايام التالية.

فقد شهدت الساحات في مختلف المدن اللبنانية مشاركة لفئات مهمشة ومهشمة في ان معا. من الطلاب الجامعيين الى ربات المنازل، من اصحاب المهن الحرة من محامين واطباء ومهندسين يائسين حتى من نقاباتهم المصنوعة في اروقة السلطة الى العمال والمياومين والحرفيين المنسيين، من العاطلين عن العمل الى ذوي الاحتياجات الخاصة المحرومين من حقوقهم.

في اطراف الساحات كنت تجد عائلات برمتها من شاب موظف بسيط في شركة خاصة تقضم سنويا جزءا من حقوقه وتجبره على التزام الصمت والطاعة في مقابل راتب هزيل يتآكل بفعل التضخم، مصطحبا زوجته الموظفة بدورها لكي تساعد زوجها على الصمود في مواجهة متطلبات المعيشة في بلد لا يقيم وزنا لشهادة ولا لخبرة بل للنفوذ والواسطة. ومعهم اطفالهم يحملون العلم اللبناني ويحلمون بغد افضل.

ترى شاب جامعي يوشك على التخرج ولكنه يدرك انه سيتحول الى عضو في نقابة العاطلين عن العمل وهي الاكبر في لبنان. يتحسر على سنين افناها في كد دراسي وعلى ملايين انفقها اهله ليحمل شهادة تكون رصيده الاولي في بناء مستقبل زاهر في حين انها ستتحول عما قريب الى لوحة تزين جدران المنزل.

في الزاوية البعيدة ترى عجوزا عركته السنون وتركت اثارها واضحة جلية على جسده ووجهه ما نزل طمعا في جاه او لغاية سياسية بل لكي لا يذوق الشباب من نفس الكأس المرة التي شرب منها هو وافراد جيله وتركته في ارذل العمر يتسول علبة دواء من هذا السياسي او ذاك فيما ضمان الشيخوخة كلمة يلوكها السياسيون منذ زمن سحيق ضمن برامجهم الموعودة و”عالوعد يا كمون”.

وبينهما معلمة في مدرسة خاصة امضت عمرها في تخريج الاجيال ومنهم من نال مركزا مرموقا او دخل نادي السياسة. تداوي جراح الناس العطشى الى العلم وقلبها عليل من الحرمان من حقوقها حيث تتقاضى راتبا هزيلا ثابتا في حين ان المدرسة تفرض زيادة سنوية على الاقساط من اجل تأمين رواتب المعلمات والاساتذة والزيادات والمكافآت والحوافز..!

ولديك الفئة التي يهرب افرادها من كاميرات القنوات وميكرفونات الاعلاميين واذا ما تجاوز احدهم خجله وبراءته وقرر الحديث تراه يتلعثم لانه ما اعتاد الكلام ولا التعبير عن رأيه في قضية سياسية او مطلب اجتماعي. تعبيره الوحيد كان على حائط فيسبوكي يريحه نفسيا اذا تحدث غاضبا، او على ناصية احدى المقاهي التي تكاثرت في السنوات الاخيرة وانتشرت في كل شارع ودسكرة.

لم يكن الذين تحولوا الى ضيوف شبه دائمين على القنوات التلفزيونية ولا اصحاب الحناجر والاصوات العالية ممن اقتحموا الصفوف الاولى هم نبض الانتفاضة، بل اولئك القابعين في الصفوف الخلفية، الذين يسهمون اكثر من غيرهم في صناعة المشهدية الثورية السلمية، فلقياس التفاعل الحقيقي لاي حدث عليك النظر الى الصفوف الخلفية فهي صاحبة التعبير الصادق اما الصفوف الامامية فلا تكاد تخلو من الرياء والغش والخداع والطموح.

هذا الخليط الشعبي الواسع جمعه الهم المعيشي والوجع المالي والقهر الاجتماعي.

وهذه الفئات جميعا شكلت اللوحة الاجمل في مشهد انحداري بائس في لبنان وبقيت لايام وليال تزين الشوارع والساحات، ولكنها راحت تتراجع عن الحضور رويدا رويدا عندما بدأت الاطماع السياسية السلطوية تجتاح الساحات عبر بعض الرؤوس الحامية التي لاترى الفضيلة والقدرة على التغيير الا في ذاتها.

وعندما حانت ساعة الحقيقة وتوجب صياغة مشروع سياسي تغييري بسيط جامع ومتدرج في تحقيق المطالب الاجتماعية واحدا تلو الاخر، ظهرت الجمعيات والتجمعات والهيئات والتيارات بالمئات وبرؤى ونظريات سياسية يستحيل التوفيق بينها فتشظت الساحات الى فرق وشلل، عملت على تدمير ما تراكم من رصيد شعبي جامع وما الاحزاب والاجهزة عنها ببعيد.

 فكل صاحب حظوة وسلطان خاف على سلطانه من الزوال، فعمل يدا بيد مع اصحاب المطامع والاحلام السلطوية على تدمير هذا النسيج الشعبي واعادته الى عزلته وصمته الابدي السرمدي.

طعنوا هؤلاء الانتفاضة من الداخل، وهم يظنون انهم يحسنون صنعا، ومن ثم قدموا خدمات جمّة للسلطة التي اعادوا لها الامساك بالملفات جميعا، حتى تفجير المرفأ لم يستطع هؤلاء ان يحولوه الى منصة ادانة للسلطة انما تقاعسوا عن دور كان يجب ان يقوموا به، وجعلوا السلطة تعوم مرة اخرى على دماء اللبنانيين…فماذا يمكن ان يقدّم هؤلاء في الذكرى السنوية الاولى لانتفاضتهم؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s