التاريخ فن…والفن حرام؟!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي- سامر زريق

عقب احداث ١١ ايلول ٢٠٠١ وبداية الحملة الاميركية على الارهاب ظهر مصطلح الشرق الاوسط الجديد عبر الرئيس الاميركي جورج بوش وفريقه السياسي. يومها قوبل كلامه وطرحه بكثير من السخرية والسذاجة من قبل المجتمع العربي بشكل عام. لكن التحولات الهائلة التي حدثت خلال السنوات التي تلت احداث ايلول اثبتت قصر نظرنا وسذاجتنا كعرب بل وتاخرنا عن مواكبة الاحداث. تكرر الامر مرة ثانية عند ظهور مصطلح صفقة القرن على لسان الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب وفريقه السياسي والحال ان صفقة القرن جزء مكمل للشرق الاوسط الجديد الذي تحدث عنه بوش.

تفيد الوقائع ان منطقة الشرق الاوسط تحديدا تعيش تحولات عميقة تشبه في كثير من الاوجه حقبة التحولات التي شهدتها المنطقة منذ ما يقارب المئة عام عقب الحرب العالمية الاولى حيث تفككت الدولة العثمانية وظهرت الدول الحالية. لكن المنطقة عاشت في ظل فوضى سياسية وعدم يقين وخيارات متشعبة تخفي وراءها خيارات اخرى.

 وحتى بعد استقرار نظام الدول الحديثة شهدت بعض تلك الدول ثورات شعبية ضخمة انتجت فوضى وارتدت سلبا على الشعوب. السبب الاساسي في ذلك هو ان الشعوب في الحالتين كانت تتفاعل مع الاحداث بشكل متأخر وانقسمت النخب  حينها بين فئات تمسكت بالقديم اي بالنمط والنظام العثماني وفئات نادت بالتحديث والتطوير واتباع النمط الاوروبي الحداثي لكنها كانت منقسمة بين عدة فرق كل منها لديه رؤيته الخاصة للحكم.

المؤسف في كل ذلك ان النخب والشعوب كانت غير مطلعة على ما يحاك خلف الكواليس من مشاريع وخطط ولم تملك القدرة على التأثير في القرارات الدولية في حينها رغم انها صاحبة المكان. كانت المنطقة العربية تذخر بنخب فكرية وسياسية على مستوى مرموق من نتاج النهضة العربية اواخر القرن التاسع عشر. وفي كثير من الاحيان كانت النخب العربية تفوق المندوبين السامين والحكام الاجانب الذين اوفدتهم دولهم لقيادة الدول الجديدة، علما وثقافة لكن ذلك لم يمنع الفرنسيين والبريطانيين من الاستخفاف والاستهزاء بالشعوب العربية. فقد العرب دولتهم الجامعة بمساهمة منهم لكنهم لم يمتلكوا مشروعا سياسيا واضحا وجامعا يستطيع الحلول مكان القديم وكانوا بعيدين عن مراكز صنع القرار الاوروبي مكانا وحضورا سياسيا. فبقيت المنطقة وسكانها عرضة لعواصف سياسية تعاكس طموحاتهم.

اليوم يتكرر المشهد من جديد لكن بصورة اشد قسوة ودموية. منذ الاعلان عن الشرق الاوسط الجديد عنى ذلك ان القديم على وشك النهاية مما كان يحتم على العرب تجهيز النظام البديل او على الاقل المشاركة في انشاء البديل. المحزن ان هذا لم ولن يحدث.

 في كل الاحداث المفصلية يكون العرب بمسؤوليهم ونخبهم وشعوبهم متلقين. يعيشون اثر الصدمة ثم بعد فوات الاوان يحاولون عبر الضجيج والصخب غير المجدي تحصيل بعض من حقوق مهدورة. تذبح الشعوب وتقدم قرابين لتعبيد الطريق امام النظام الجديد الذي لا نعرف كنهه حتى اليوم ولا يوجد لدينا اي بصيص امل في تشكيل موقف سياسي واحد موحد يقينا  شر الكوارث.

 فلسطين سوريا لبنان العراق هذه الدول تحديدا تشكل المسرح الاساسي لعملية نهاية الشرق الاوسط القديم. يقول الفيلسوف الماركسي الشهير انطونيو غرامشي: “تتجلى الأزمة تحديدا في أن القديم آيل الى الزوال، بينما لا يستطيع الجديد أن يولد، وفي فترة التريث هذه، يبرز عدد كبير من الأعراض المرضية”. هذه المقولة تعبر بشكل دقيق عن مجرى الاحداث في هذه الدول والاعراض المرضية التي تعتري مجتمعاتها والتي لا تعد ولا تحصى واسوأ ما فيها هي تلك الرؤى السياسة المحدودة والبائسة التي يحاول البعض تسويقها على انها خشبة الخلاص.

ويقول العالم والمفكر الاسلامي ابن خلدون، التاريخ فن يوقفنا على احوال الماضين من الامم في اخلاقهم وحضاراتهم والانبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسيرتهم حتى تتم فائدة الاقتداء في احوال الدين والدنيا. فأين نحن من الاقتداء بما حصل منذ مئة عام؟؟؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s