متى نتحرر من “وهمنا” اللبناني؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – عتاب ابو زكي

يميل اللبناني بطبعه وخلفية تكوينه الى رفع الرأس عاليا، واعتقاده ان وطنه يشكل حالة استثنائية بين الاوطان لناحية دره ورسالته، متغنيا بحقبات تاريخية مفصلية منحته مكانة متقدمة بين الدول.

وانطلاقا من ذلك، يعطي اللبناني لبلاده دورا هو اكبر منها، ينفخ البالون اللبناني كثيرا في الهواء، ولا ينتبه النافخ ان الاكثار من النفخ العشوائي يحتم تداعيات غير مضمونة النتائج، ويجعل امكانية الانفجار أكبر من قدرته على الاحاطة بمفاعيله.

يظن اللبنانيون ان بلدهم محط انظار الدول الكبرى التي تتنافس فيما بينها وتضع الخطط والمشاريع لنيل حظوة في لبنان. تراهم يتخيلون ان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من شدة غضبه من خذلان بعض اللبنانيين لمبادرته قام بتحطيم عدة كؤوس مذهبة، وبعض تحف الاليزيه التاريخية النادرة.

لا يكتفون بذلك بل يسرحوا بعيداً في خيالاتهم ووهمهم خاصة من يفخر منهم انه تحت المظلة الممانعة في المنطقة، فيسدون النصائح “للفتى” الفرنسي “الغرّ” و”الساذج” للتعلم من عتاة السياسة اللبنانيين. يقيّمون مناظرة دونالد ترامب وجو بايدن ويضحكون من جهلهم باساليب الحوار السياسي المليء بالحجج المقنعة من سباب وشتائم والفاظ يطرب اللبنانيون لسماعها. يقترحون على هذين المرشحين الحصول على دورة في ” اكاديمية الانسان للتلاقي والحوار” لصاحبها ومؤسسها ميشال عون فيتخرجوا منها مبدعين في الحوارات التي تبدأ من “الزنار ونازل” وتنتهي على ابواب جهنم.

يظن اللبنانيون ان بلدهم الفريد من نوعه – ولا نجد فرادة سوى في هذا التفكير – قبلة العالم والجوهرة المشعة التي يسعى الجميع للاقتباس من نورها. فيما الواقع ان لبنان اشبه بفتاة ليل ملَّ منها الجميع وهي تظن نفسها قادرة بغنجها ودلالها ونزقها على اغواء من تريد خاصة كبار القوم، في حين ان الزمن تجاوزها وترك آثاره عليها وفقدت سحرها وجاذبيتها وباتت عجوزاً في ارذل العمر تعاني ترهلات جسدية وارهاصات فكرية.

يكذب اللبنانيون على انفسهم وعلى ابناء بلدهم والمؤسف انهم وحدهم من يصدقون هذه الاكاذيب. يدلي السياسيون بمواقف حازمة وصارمة في جميع الازمات الدولية من الكورونا وازمة ايران الاقتصادية الدولارية والدور التركي واتفاقيات التطبيع بين الدول العربية واسرائيل والخلافات بين اعضاء حلف شمال الاطلسي وغيرها وغيرها.

وآخر الابداعات اللبنانية هي الآراء المتدفقة كنهر فاض عن مجراه حول الازمة بين اذربيجان وارمينيا. من مسيحيين رفعوا الصليب ونشروا العلم الارميني واستعاروا شعار “هيهات منا الذلة” من “الثنائي الوطني”، ومسلمين صرخوا “وا معتصماه” ورفعوا شعارات التأييد للجهاد المقدس ضد الارمن.

ترى مسيحيا يغرد بالارمنية دعما للارمن وهو ينتظر دوره ذليلا في طابور من السيارات لتعبئة ربع تنكة من البنزين يجود بها بنغلادشي استهزأ به طويلا او سوري سخر من لهجته وكلامه. وترى مسلماً يضع منشوراً دعماً للآذريين او الاتراك او المسلمين لا فرق، وهو يتنقل من صيدلية الى اخرى باحثاً عن علبة دواء مزمن تجود بها الشركات على الصيدليات، او جالساً في بيته يتصبب عرقاً وهو ينتظر ما يجود به كبار المحسنين من اصحاب المولدات الافاضل.

الصراحة والواقعية تقتضيان الاعتراف ان لا شأن لنا بصراعات هذا العالم بغربه وشرقه، بقوقازه وبلقانه، بفرسه وتركه، بعربه وعجمه. لن ترسل لنا ارمينيا بعضاً من الدولارات التي تتدفق عليها من ارمن المهجر، ولن ترسل لنا اذربيجان بعضاً من الغاز الذي يتدفق منها وعبرها الى اوروبا. اي بؤس فكري نرزح تحته واي خيال خصب يطيب لنا العيش في ربوعه وتحت ظلاله.

اما آن لنا ان نستيقظ من هذا الوهم الذي تضخم حتى بلغ حد الجنون؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s