صراع النفوذ والدم في القوقاز

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

يوجد في اماكن كثيرة حول العالم بقع ساخنة بل ملتهبة لا تكاد تنطفأ جذوتها حتى يعاد اضرامها من جديد على وقع التحالفات والمصالح المتغيرة. وقد انتجت تلك الصراعات جراحاً كبيرة لا تكاد تندمل حتى يعود النزيف من جديد، كما خلفت أثمانا باهظة تدفعها الشعوب منفردة من حسابها الخاص.

احدى هذه البقع هي اقليم “ناغورني قره باخ” المتنازع عليه بين اذربيجان وارمينيا.

يعد هذا الاقليم احدى القنابل الموقوتة التي زرعها الديكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين منذ ما يقارب المئة عام. ولا تزال هذه القنبلة تلقي حممها على الشعبين الاذري والارميني حتى اليوم، ولا يوجد امل في انهاء هذا الصراع ووضع حد لسيلان الدماء كرمى مصالح الكبار.

دلالات الاسماء؟

ناغورني تعني بالروسية جبال او مرتفعات، قره باغ تعني بالتركية الحديقة السوداء. يعرف الاقليم في ارمينيا باسم ارتساخ وهي كلمة من جزئين، الاولى ارا وهو اله الشمس عند الارمن القدماء، والثانية تعني الغابة او الكرم، اي كرم الاله را. مساحته 4800 كلم2، ويسكنه حوالي 148000 نسمة (وفق اخر احصاء اجري عام 2016) اكثر من 95 % من سكانه من الارمن الذين في غالبيتهم من الارثوذوكس.

الاقليم المتنازع عليه

جذور الصراع

تعود جذور الصراع الى عام 1923 عندما قرر ستالين ضم الاقليم ذو الغالبية الارمنية الى اذربيجان ومنحه حكما ذاتياً. وابقى اقليم ناختشيفان باغلبيته الآذرية معزولا داخل ارمينيا، لزرع بذور صراع يضمن لموسكو نفوذاً دائماً.

مع انهيار الاتحاد السوفياتي واستقلال الجمهوريات تباعاً واحدة تلو الاخرى، انفجر النزاع المكبوت بين ارمينيا واذربيجان حول السيادة على اقليم ناغورني قره باخ. عقب اعلان الاقليم الانفصال عن اذربيجان، اشتعلت حرب طاحنة دامت عدة سنوات بين ارمينيا واذربيجان اودت بحياة اكثر من ثلاثين الف شخص آذري وارميني. دعمت روسيا الدولة الارمينية بالسلاح والعتاد بما مكن الاخيرة من انتزاع 7 مناطق حدودية من اذربيجان (اي ما يوازي 20 % من مساحة اذربيجان) امنت لها التواصل البري مع الاقليم عبر ممر لاتشين بطول 60 كلم.

عام 1993 اصدر مجلس الامن القرار رقم 822 طالب فيه القوات الارمنية بالانسحاب من الاقاليم المحتلة في اذربيجان لكن ارمينيا لم تمتثل للقرار. وعام 1994 توقف القتال بتوقيع اتفاق وقف اطلاق النار، ورغم ذلك لازال الطرفان الى اليوم في حالة حرب.

وفي عام 2006 اقر ارمن الاقليم دستوراً حوّل الاقليم الى جمهورية مستقلة لكنها لم تحظى باعتراف دولي بما في ذلك ارمينيا.

الاقليم واللعبة الكبرى

قبل بزوغ نجم العدالة والتنمية في تركيا وظهور مشاريعه للريادة الاقليمية بما فيها خروجه عن السيطرة او بيت الطاعة الاوروبي، لم تكن المجازر الارمنية اكثر من ذكرى يتم احياؤها سنويا. وكانت تركيا في تلك الفترة تعتمد سياسة ديبلوماسية نشطة تحت قيادة احمد داوود اوغلو حملت عنوان تصفير المشاكل خاصة الموروثة من الحقبات السابقة.

وعام 2009 وقع وزيرا خارجية ارمينيا وتركيا اتفاقاً لتطبيع العلاقات وفتح الحدود المشتركة التي اغلقتها تركيا ابان الحرب بين ارمينيا واذربيجان. لكن الاتفاق لم يصمد امام الحملات التي شنت عليه ورفض البرلمان الارمني التصديق على الاتفاق ليلحقه البرلمان التركي، ليسقط الاتفاق رغم الدعم الاميركي الاستثنائي.

سببان رئيسيان كانا وراء سقوط الاتفاقية، الاول هو مجموعات الضغط الارمنية في الخارج وهي التي تؤثر بشكل كبير في سياسة الدولة الارمينية بسبب الاموال التي تقدمها للخزينة الارمنية، والثاني هو رغبة بعض الدول القوية في ابقاء الخلاف التركي الارميني والآذري الارميني مشتعلاً للاستثمار فيه وفي طليعة هذه الدول روسيا وفرنسا وهنا بيت القصيد.

فأرمينيا تعتمد على الدعم السياسي الروسي وعلى الدعم المالي المقدم من الولايات المتحدة (تعتبر ارمينيا ثاني دولة بعد اسرائيل تلقيا للمساعدات الاميركية) وكذلك اللوبيات الارمنية في الخارج. لذلك لم يستطع النظام الارمني ان يخطو اي خطوة في اتجاه السلام وحل النزاع مع تركيا وكذلك مع اذربيجان خلال كل هذه السنوات رغم الرغبة الواضحة لبعض القادة الارمن في انهاء هذه الصراعات وما ينتج عنها من تهجير ومآسي.

ويقابل ذلك رغبة روسية في استثمار نفوذها في جورجيا وارمينيا للابقاء على هاتين الدولتين عقبة في وجه التمدد التركي داخل القوقاز التي تعد الحديقة الخلفية للنفوذ الروسي ولا تريد لاي دولة اخرى مشاركتها فيه.

وكرد فعل على تأسيس تركيا لمجلس التعاون للدول الناطقة باللغة التركية والذي يضم اذربيجان واوزبكستان وقيرغزستان وتركمنستان وكازاخستان عام 2009، ضغطت كل من روسيا وفرنسا على ارمينيا لوأد المصالحة الارمنية التركية والتي حكماً سيلحقها مصالحة بين ارمينيا واذربيجان مما سيسهل دون شك عملية ذوبان الدول القوقازية في النموذج التركي.

تلا ذلك تحرك فرنسي تبلور في حملة اوروبية لتجريم انكار جرائم الابادة الارمنية، وأقرت فرنسا قانونا بذلك عام 2011، كما وقامت روسيا بتسعير الصراعات في القوقاز وامدت ارمينيا بالاسلحة الروسية عبر قروض ميسرة لتأخذ ارمينيا شكلاً شبيهاً باسرائيل بين دول القوقاز.

على وقع معارك النفوذ والمصالح والصراع على مصادر الطاقة وشبكات التوزيع تستمر سياسة تسعير الخلافات بين الدول لتنتج صراعات تسيل منها دماء الشعوب بغزارة كرمى مصالح دول تتغنى بقيم الديموقراطية وحقوق الانسان لكن اي انسان؟؟

هنا تكمن الحقيقة المرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s