“زيادة” يرصد علاقتهما في مصر والشام ومراحل تطورها: “الكاتب والسلطان.. من الفقيه إلى المثقف”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

يجري الباحث الدكتور خالد زيادة في كتابه ” الكاتب والسلطان من الفقيه الى المثقف” (الدار المصرية اللبنانية)، دراسة تاريخية تغوص في ثنايا التاريخ لتدرس العلاقة المعقدة بين الفقيه والكاتب والسلطان، ولترسم المسار الذي مهد لظهور شخصية المثقف.

ويحاول زيادة في هذا الكتاب الاجابة على سؤالين: الاول الموقع الذي كانت تشغله الاجهزة الفقهية في الدولة السلطانية، والثاني يتعلق ببروز شخصية اجتماعية جديدة متمثلة بالمثقف وهي الشخصية التي لا يمكن فهم وظيفتها ودورها الا من خلال الاحاطة بالوظائف التي شغلها من قبل الفقهاء وكتاب الدوواوين.

الدكتور خالد زيادة

يرصد زيادة في هذا الكتاب، بالاستناد الى كتب وآثار ابرز المؤرخين، التحولات التي شهدها المجتمع الاسلامي والعربي في الفترة التي اعقبت الدخول العثماني الى الاراضي العربية ورياح التغيير التي هبت بتأثير اساليب الحكم العثمانية المختلفة عن اساليب الحكم المألوفة في مصر والشام ابان حكم الايوبيين ومن بعدهم المماليك حيث كان العلماء يحتلون حيزا هاما في معادلة الحكم.

 وكذلك المرحلة التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر والتي شهدت محاولات التحديث وفق النمط الاوروبي وما رافق ذلك من تراجع دور المؤسسة الدينية وتفكك وظيفة كاتب الديوان وهي المرحلة التي ستشهد بروز شخصية المتنور النهضوي الذي ورث مهنة الكاتب وانتزع اجزاء من وظيفة الفقيه (التعليم والقضاء) في نفس الوقت الذي اراد فيه ان يكون رائداً في بلورة مفهوم الدولة والوطن.

البدايات

ان اتساع شبكات الملك ادى الى انفصال بين الاجهزة الديوانية المتمثلة بالكتاب وبين الاجهزة الشرعية المتمثلة بالعلماء من فقهاء ومحدثين وقد استشرى الصراع بينهما. وفي القرن السادس الهجري ظهر نوع ادبي هو “اخبار الاعيان” وهو عبارة عن دمج بين كتابة التاريخ واصول الدين ومنهج المحدثين في الرواية والاسناد مما عنى استئثار العلماء بكتابة التاريخ على مدى قرون.

الدولة المملوكية

في العهد المملوكي يظهر تعاظم دور العلماء في فترة الاضطرابات في نهاية الدولة الايوبية في مصر والشام ثم استمر مع تولي بعض العلماء الوزارة مع القضاء في بداية الدولة المملوكية. فالمماليك كطبقة عسكرية غريبة كانت بحاجة الى التحالف مع طرف اهلي لقيادة المجتمع وكان العلماء الفئة المؤهلة لهذا الدور فاحتلوا مواقع الكتاب في الادارة وامسكوا بالقضاء والنظام المدرسي وشكلوا جزءا من الهيئة الحاكمة.

العصر العثماني

خلال العصر العثماني ازدادت اهمية منصب الافتاء خاصة في الشام بسبب النفوذ المادي والمعنوي. كما تبلورت ملامح عائلات تتوارث العلم وبالتالي توارث الوظائف الدينية الى حد بروز عائلات اختصت بوظائف محددة كالتدريس والخطابة والامامة وحتى الافتاء. اما في مصر فكان شيخ الازهر رئيس طائفة العلماء واستطاع حماية المؤسسة وسط التغيرات وبقيت روح المنافسة تتفوق على توارث المنصب.

كما برزت مؤسسة اخرى تمركزت فيها قيم الوجاهة المحلية والشرف تمثلت بنقابة الاشراف التي تضم العائلات المتحدرة من سلالة الرسول وصار نقيب الاشراف مرجعا محليا ولعب مع المفتي وكبار العلماء دور الوسيط بين الحكام والاهالي فتحول الجهاز الديني الى مؤسسة ذات طابع وسيط مما كرس وجهاة الاعيان والعلماء بشكل خاص.

الحملة الفرنسية

ولقد دفعت الحملة الفرنسية على مصر العلماء الى واجهة الاحداث لملأ الفراغ الاداري الناتج عن غياب العثمانيين فاستحوذ كبار العلماء على التزام الاراضي في البلاد وراكموا الثروات وزادوا من نفوذهم الاهلي فضلا عن اتساع سلطاتهم الشرعية والقضائية. لكن الحملة الفرنسية ادت ايضا الى انشطار طبقة العلماء بين من وقفوا على راس الحملة الشعبية المناوئة للفرنسيين ومن تعاونوا معم، ما مهد الطريق لمحمد علي لاحكام قبضته على الحكم في مصر ومن ثم اقامة نظام حكم مركزي جرد العلماء من امتيازاتهم وحولهم الى هيئة علمية تنحصر مهمتها في الوظائف الفقهية البحتة. وحاول محمد علي تطبيق نفس الاسلوب في الشام لكنه لم يتمكن من ابقاء الشام تحت حكمه ومع عودة العثمانيين استعاد العلماء امتيازاتهم واصبحوا حلفاء الحكم في قيادة حملة تحديث انظمة الحكم والادارة.

بنية الدولة العثمانية

ينتقل زيادة بعدها الى عرض التحولات في بنية الدولة العثمانية ويبدأ بالديوان الهمايوني الذي يعتبر الحكومة العليا للدولة ويتكون من ثلاثة اقسام رئيسية: ممثلو العسكر المعروفون بالسيفية ثم ممثلو الجهاز الديني المعروفون بالعلمية واخيرا الكتاب المعروفون بالقلمية وهو الفرع الاكثر نشاطا لاشرافهم على الخزينة والمحاسبة ومراسلات السلطان.

كان الكتّاب يخضعون لمراحل اعداد طويلة تشمل تعلم اللغات واكتساب المعارف الاسلامية من فقه وتاريخ وادب. وشكل هؤلاء تيار الاصلاح والتحديث داخل المؤسسات الادارية والحكومية مما ادى الى حدوث صراع بينهم وبين التقليد الذي يمثله العلماء. وكانت الهزائم العسكرية التي منيت بها الدولة العثمانية ادت الى بروز مجموعة سلاطين اصلاحيين وقد واجهت المشاريع الاصلاحية مقاومة عنيفة من العسكر والعلماء اودت بحياة بعض السلاطين.

بعد ذلك، يتحدث زيادة عن ولايات الشام حيث كان الولاة العثمانيون يستخدمون كتبة يهود ومسيحيون كاثوليك واورثوذكس كمحاسبين وامناء خزينة وبرزت عائلات توارثت الكتابة. اما في مصر فقد اعتمد الامراء المماليك وكبار العلماء الملتزمين للاراضي وكذلك محمد علي في بداية حكمه على الكتاب والمحاسبين الاقباط والصرافين اليهود. كما عمد محمد علي الى انشاء مدارس ومعاهد في اختصاصات مختلفة تولت رفد الادارات الحكومية بالموظفين مما اضعف نفوذ الكتاب الاقباط.

ظهور المثقف

يذكر زيادة في كتابه حول ظهور المثقف التالي: “يبدو ظهور المثقف حسب محاولات المؤرخين كانه اتى نتيجة قطيعة بين عصر وآخر تبدأ من حملة بونابرت او السيطرة الاستعمارية في نهاية القرن الثامن عشر بحيث تصبح القطيعة فاصلا بين تاريخين وحضارتين وعالمين”.

ويبرز زيادة الاختلاف في شخصية المثقف بين مصر والشام: في مصر كان المتعلم لا يعي دوره الا من خلال الدولة بسبب اندماج الطبقة المتعلمة في المجتمع والدولة في حين ان المثقف في الشام كان خارج الدولة ويرسم نموذجا لدولة عصرية يضعها في مواجهة العلماء ويحدث قطيعة بين العروبة التي عبر عنها العلماء وبين مبدأ القومية فيستبدل عروبة الثقافة بقومية علمانية تأسس على اساس اللغة. ان المثقف يعجز عن اقامة اي تنظيم خاص به داخل الدولة او خارجها على غرار الكتاب ولهذا كان يبحث عن التجمعات البديلة من الجمعية الى الحزب الى التماهي في مبدأ الدولة نفسه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s