حقيقة الصراع التركي الفرنسي: “فتشوا عن القارة السمراء”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

 الازمة الديلوماسية المتصاعدة في الاونة الاخيرة بين تركيا وفرنسا والتي وصلت الى مستويات غير مسبوقة مع اتهام فرنسا لتركيا بالتحرش بفرقاطة فرنسية في المتوسط لا تقتصر اسبابها على الازمة الليبية او الصراع على الغاز في شرق المتوسط بل تتعداها الى اكثر من ذلك.

تعود جذور الاختلاف الى بداية العقد الحالي وتتمثل بسببين رئيسيين: الاول هو رغبة فرنسا ومن خلفها المانيا اللتان تتحكمان بقرار الاتحاد الاوروبي في ابقاء تركيا “شريكة من الخارج” اي مرشحة للدخول الى الاتحاد الاوروبي مع جعلها اسيرة الشروط والالتزامات الثقيلة للمرشحين دون ان يكون لها دور في القرار الاوروبي.

والثاني هو توجس فرنسا من تصاعد النفوذ التركي في القارة الافريقية الغنية بالثروات والتي طالما شكلت مخزونا استراتيجيا يؤمن لفرنسا الكثير من حاجياتها الاستهلاكية.

وكان الرئيس الفرنسي الاسبق نيكولا ساركوزي قد دأب على استفزاز تركيا بتصريحاته ضد انضمامها الى الاتحاد الاوروبي كما ان البرلمان الفرنسي اقر سنة 2012 في عهد ساركوزي قانونا يجرم انكار المجازر الارمنية وهو موضوع حساس للغاية في السياسة التركية. وكان ساركوزي قد زار ليبيا عام 2011 بعد ايام على مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي برفقة رئيس وزراء بريطانيا ليعقبه رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان مما لفت الانظار الى التنافس على النفوذ في ليبيا. كما ان اردوغان زار في نفس السنة الصومال التي كانت ترزح تحت وطأة المجاعة ليكون اول رئيس غير افريقي يزور البلاد منذ انهيار الدولة عام 1991 . ومنذ ذلك الحين بدأ الصراع بين الدولتين ينمو بسبب عدم تقبل فرنسا تراجع نفوذها الافريقي امام المد التركي.

ركائز النفوذ الفرنسي واثاره

لطالما شكلت القارة الافريقية الحديقة الخلفية للنفوذ الفرنسي الذي اعتمد على 4 عوامل :

ارتباط الدول التي كانت مستعمرة فرنسيا بمعاهدات عسكرية تسمح لفرنسا بالتدخل العسكري عند الحاجة.

وجود 3 قواعد عسكرية فرنسية رئيسية في جيبوتي والسنغال والجابون وكذلك في جزيرة رينيون الفرنسية في المحيط الهندي تطل على الشواطئ الافريقية. كما ارسلت فرنسا فرقا من جيشها لمحاربة الانقلابيين في مالي عام 2012.

المنظمة الفرنكوفونية وهي تشمل الدول الناطقة بالفرنسية كلغة رئيسية او ثانوية. تضم 55 عضوا بينها 30 دولة افريقية.

الفرنك الافريقي CFA وهو اسم العملة الموحدة في 14 دولة افريقية عضوة في منطقة الفرنك الفرنسي ملزمة بايداع احتياطيات الفرنك الافريقي في البنك المركزي الفرنسي الذي يتحكم بسعر العملة. كما ان احتياطيات دول افريقية خارج منطقة الفرنك توضع كذلك في المركزي الفرنسي الذي يستخدمها في المضاربة في اسواق المال وفي تغذية الاقتصاد الفرنسي.

مما اعطى لفرنسا اليد الطولى للتحكم بالقرار في القارة السمراء. فاقدمت باريس على تنصيب انظمة موالية ودعم نشر اللغة الفرنسية وثقافتها وتعليم وتدريب النخب العسكرية الافريقية في مراكز فرنسية لتعاود تنصيبهم فيما بعد قادة الجيوش في بلادهم او رؤساء في انقلابات عسكرية تضمن لها الشرعية عبر مقعدها الدائم في مجلس الامن، وتغاضت عن فساد الحكام والقادة الافارقة لتحصل على نصيبها من كعكة المصالح المالية الضخمة مقابل سكوتها عن ديكتاتوريتهم كما شجعت التناحر العرقي والطائفي لايجاد مساحة تسمح لها بالتدخل الدائم.

الانفتاح التركي على افريقيا

في المقابل وضع بعض الديبلوماسيين الاتراك الذي عملوا لسنوات في القارة السمراء في ثمانينيات القرن الماضي الاستراتيجية الافريقية التي انطلق العمل بها سنة 1998 لكن فعاليتها بدأت مع استلام حزب العدالة والتنمية الحكم حيث طور الخطة واعلن عام 2005 “عام افريقيا”. وفي العام نفسه منح الاتحاد الافريقي تركيا صفة مراقب وشريك استراتيجي على ان تتعهد بتحويل مليون دولار سنويا واصبحت عضوا في بنك التنمية الافريقي. لتشهد الديبلوماسية التركية في افريقيا نقلة نوعية حيث ارتفعت عدد سفارات انقرة من 12 الى 42 حتى اليوم.

كما زار اردوغان 32 دولة افريقية وبذلك يكون اكثر رئيس دولة وحكومة يزور القارة السمراء واصطحب معه في زياراته عشرات من رجال الاعمال الاتراك واسفرت عن توقيع اتفاقيات تعاون تجاري واقتصادي مع 46 دولة واتفاقيات تجارة حرة مع 5 دول. كما اقام مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي بانشاء مجالس اعمال مع 43 دولة افريقية، مما ادى الى ارتفاع التبادل التجاري بين تركيا وافريقيا من 5.6 مليار دولار عام 2004 الى 21 مليار دولار عام 2018 وتهدف تركيا الى بلوغ 50 مليار دولار عام 2023. يذكر ان بنك اكسيم التركي يتولي توفير التمويل التجاري والقروض لمشاريع البنى التحتية في افريقيا.

اتكأت تركيا في سعيها لتقوية نفوذها في افريقيا على التسلل الى قلوب الافارقة عبر الخدمات الانسانية والتنموية فهي تساهم في مهمات حفظ السلام في القارة وتتخطى مساعداتها الانسانية 2.5 مليار دولار. كما انها تعتمد على ارث ديني وتاريخي عثماني مع عدد كبير من الدول الافريقية. ابتعدت تركيا عن سياسة التدخل العسكري واقامة القواعد الدائمة واعتمدت الديبلوماسية الناعمة لانجاز مشروعات ثقافية ورياضية وتوفير فرص عمل ودعم الشباب والنساء وبناء المساجد عبر اذرعها الخدماتية والانسانية المختلفة وابرزها وكالة التعاون والتنسيق (تيكا) والخطوط الجوية التركية ووقف الديانة الذي بنى اكبر مسجد في غانا وافريقيا بسعة 5 الاف مصلي واكبر مسجد في جيبوتي، بالاضافة الى اعطاء الطلاب الافارقة منح للدراسة في تركيا.

تغلغلت الشركات التركية في الكثير من المجالات مثل البنى التحتية وانشاء الموانئ والطرق والسدود والمستشفيات والملاعب. نجحت تركيا في اختراق احد اكبر الحصون الفرانكوفونية في افريقيا وهو السنغال حيث حصلت الشركات التركية على عطاءات 29 مشروع بقيمة 700 مليون دولار . وفي عموم افريقيا حصل المتعهدون الاتراك حتى اليوم على اكثر من 1150 مشروع في افريقيا بقيمة ناهزت 55 مليار دولار. كما استضافت تركيا عام 2016 منتدى الاعمال الافريقي التركي الذي حضره 3000 مشارك بينهم 2000 مشارك يمثلون المجتمع الاقتصادي في 45 دولة افريقية وتم توقيع عشرات العقود التجارية. ولا يغيب الجانب الثقافي حيث يتم توجيه دعوات منظمة الى المثقفين قادة الفكر والاعلام الافارقة لزيارة تركيا وحضور المؤتمرات والمنتديات.

ميل الافارقة الى الاتراك

كل ذلك جعل الافارقة يميلون الى الاتراك ويعود التفوق التركي الى تقديم انقرة نفسها كشريك لا يتدخل بالقرار السيادي للدول الافريقية بل يسعى لان يفيد ويستفيد في مقابل النفور من الطابع الفوقي الاستعلائي والاستعماري النكهة الذي يطبع علاقة باريس بالدول الافريقية. وصل نفوذ انقرة الى درجة نجاحها في اغلاق مدارس فتح الله غولن في اكثر من 8 دول وتحويلها الى مؤسسة معارف تركية. كما ان فرنسا كانت تطمع في السيطرة على النفط والغاز وسواهما من الموارد الطبيعية في ليبيا عقب التخلص من القذافي تحت شعار جلب الحرية للشعب الليبي، لكن التدخل التركي الذي يهدف الى تحقيق مصالح تركية ايضا قطع الطريق على مشاريع فرنسا ووأدها في مهدها.

اما التوتر العسكري في شرق المتوسط فما هو الا مرآة تعكس غضب باريس من تقلص مساحة نفوذها الافريقي وتستخدم اليونان وقبرص ذريعة تمنحها غطاء شرعيا في معركة النفوذ مع انقرة، كما تحول مرفأ بيروت بعد الانفجار الى هدف استراتيجي لكلا الطرفين في نفس الاطار…فمن يراكم تقدمه ليسجل نقاطا اكثر في مرمى الآخر؟.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s