لبنان الكبير وجدلية الحدود التاريخية او المصطنعة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

في الاول من ايلول عام ١٩٢٠ اعلن الجنرال غورو المفوض السامي الفرنسي في الشام والساحل اللبناني من قصر الصنوبر ولادة كيان اطلق عليه اسم “لبنان الكبير” في احتفال مهيب حضره بطريرك الموارنة الياس الحويك وكبار الكهنة ومفتي بيروت الاكبر مصطفى نجا ولفيف من كبار الشخصيات.

تلك هي الكلمات التي قرأناها في كتب التاريخ ولاحقتنا اعواما مديدة دون التعمق في اسباب وخلفيات نشوء هذا الكيان. قام العديد من الباحثين والمؤرخين اللبنانيين وغير اللبنانيين بدراسة هذه الحقبة دراسة معمقة واستطاع بعضهم ولوج الارشيف الفرنسي المليء بالوثائق التي لم يكشف عنها النقاب حتى اليوم.

ونتج عن ذلك عشرات الكتب والدراسات التي وضعتنا امام نظريات متعددة متشابكة ومتباينة بسبب اختلاف الوثائق الموجودة بين ايدي الباحثين وكذلك اختلاف المنطلق الذي دفعهم الى دراسة تلك المرحلة. لكن هذه الدراسات القيمة اتاحت لنا معرفة بعض خبايا حكاية وطن صنع بطريقة غير مألوفة وفق معايير ذلك الزمان.

“جمهورية التجار”

فالهوية القومية العربية كانت مرفوضة من الموارنة الذين تكفل بعض غلاة التطرف من نخبهم باختراع هوية فينيقية لهذا الكيان تمنعه من الذوبان في بحر العوالم الاسلامية والعروبية المتلاطمة كان رائدها المفكر شارل قرم الذي كان يرفض التكلم بالعربية رفضا مطلقا.

كما ان العامل الديني منذ البداية كان عاملا للتفرق وعدم استطاعة الدولة صياغة هوية دينية معينة او هوية مدنية على غرار تركيا الكمالية ومن بعدها مصر وسوريا بعد توحيد الكيانات الطائفية التي ابتدعها الفرنسيون.

بعض كتب المؤرخين البارزين تكشف لنا الدور الرئيسي الذي لعبته فئة من رجال الاعمال من الطبقة البرجوازية المتحالفة مع بعض رموز الاقطاع السياسي والعائلي المناطقي في ولادة كيان عموده الفقري مرفأ بيروت وعقيدته السياسية والاقتصادية التجارة والترانزيت والخدمات الريعية والسمسرة والوساطة. مما دفع المؤرخ الكبير البرت حوراني ان يطلق على هذا الكيان “جمهورية التجار”.

لماذا لم تضم حمص وحلب الى لبنان؟

لكن الغموض لا يزال يكتنف حتى اليوم الاسباب والدوافع الكامنة خلف ضم مدن بعينها دون سواها هي بيروت وطرابلس وصيدا وصور والاقاليم الاربعة البقاع وعكار وراشيا وحاصبيا وعدم ضم مدن اخرى من الساحل او الداخل السوري رغم انها كانت تحت سلطة الامارة المعنية وخليفتها الشهابية. هاتان الامارتان اللتان اعتبرت حدودهما حدودا تاريخية رسمت على اساسها حدود لبنان الكبير. فلماذا لم يتم ضم حمص وحلب وتدمر (يوجد فيها قلعة ابن معن) او سهل حوران. لماذا لم يتم ضم عجلون او طبريا وعكا ويافا خاصة اذا علمنا ان الامير فخر الدين كان لقبه المفضل امير جبل لبنان وصيدا والجليل.

كما ان بطريرك الموارنة بولس مسعد في كتابه الدر المنظوم (١٨٦٣) يذكر ان جبل لبنان كما يشهد علم الجغرافيا يبتدي لجهة الشمال من حدود جبال النصيرية الفاصل بينه وبينها النهر الكبير وينتهي لجهة الجنوب عند مرج ابن عامر شرق عكا (في الداخل الفلسطيني بين الجليل ونابلس). فلماذا استثنيت هذه المدن؟

على ان مدينة طرابلس هي المدينة الوحيدة بين المدن المضمومة الى لبنان الكبير التي اظهرت دراسات المؤرخين لوثائق تلك الحقبة بان السبب الرئيسي لبقائها في الكيان الجديد رغماً عن انف السواد الاعظم من سكانها هو الخوف من دور مينائها وتحوله الى مرفأ سوري يحجب تجارة الداخل السوري عن مرفأ بيروت (لم تكن سوريا تملك اى مرفأ لغاية ١٩٥٠).

وعندما تم ضم سهل البقاع كانت الذريعة هي الحاجة الى محاصيله خوفا من تكرار المجاعة لكن الارقام تثبت ان الانتاج الزراعي لمتصرفية جبل لبنان يكاد يساوي الانتاج الزراعي للدولة اللبنانية رغم وجود سهول عكار والبقاع. فضلا عن ان سهل البقاع منذ الثلاثينات اشتهر بزراعة الحشيش بسبب اهمال الدولة.

ولقد حدث الكثير من الجدل حول ضم هذه المناطق دون الأخرى، والحال ان الجدل حول المناطق المضمومة لم يكن مقتصرا على النخب السياسية في لبنان بل كان الاختلاف في وجهات النظر سائدا بين ممثلي فرنسا في لبنان وكذلك اعضاء الحكومة الفرنسية.

يذكر مسعود ضاهر في كتابه “لبنان وفرنسا” ان الرئيس رياض الصلح صرح بان رئيس الوزراء الفرنسي سنة ١٩٢١ ارستيد بريان وعده باعادة المناطق المضمومة الى سوريا وفصلها عن لبنان وكان الصلح وقتها من دعاة سوريا الكبرى.

كما يذكر فواز طرابلسي في كتابه “تاريخ لبنان الحديث”، ان روبير دو كيه نائب المفوض السامي كان من انصار تكاثر الدويلات في الشام حتى العشرة من اجل اضعاف التيار السني الاستقلالي والحركة القومية العربية وحذر من ضم المناطق المسلمة لانها تهدد استقرار الدولة المسيحية وايده في رأيه المفوض السامي هنري دو جوفونيل حيث ذكرا بان غالبية سكان المناطق المضمومة يعتبرون انفسهم مسلمين وليس لديهم اي انتماء الى لبنان حتى بعد مرور عدة سنوات على اعلان دولة لبنان الكبير.

وكان الاختلاف يسود بين النخب المارونية نفسها. عبر جورج سمنة احد السياسين الموارنة البارزين في تلك الحقبة بتعليق في جريدته ينم عن الشعور بالمرارة حيث قال اي وطن قومي مسيحي هذا نصف سكانه من المسلمين.

لتتبنى فرنسا اخيرا نظرية فيلسوف الجمهورية ميشال شيحا ان لبنان “بلد الاقليات المتشاركة” وان المسيحيين الموارنة يتمتعون بالاسبقية كونهم الاكثر عددا حينها بالاستناد الى اخر احصاء سكاني تم اجراءه عام ١٩٣٢ (حتى اليوم).

في ذكرى المئوية الاولى والتي قد تكون الاخيرة في نفس الوقت لا نزال ننتظر كشف المستور عن الاسباب الحقيقية لتشكيل كيان هجين حافل بالتناقضات والتشوهات منذ ولادته يحمل في تكوينه بذور فرقته الا اذا كان هذا هو الهدف الفعلي من تكوينه وفق بعض المؤرخين الذين يذكرون (دون وثائق مثبتة) ان هذه التناقضات متعمدة لايجاد نظام غير منتج وغير قابل للتطور يمنح مساحة للتدخل الدائم لمن وضع اسسه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s