عن المئوية الاولى والهوية الوطنية الضائعة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طلال الدهيبي

في الذكرى المئوية الأولى لتأسيس لبنان، لا زال التباين حول الهوية الوطنية قائما بين أبنائه، وكأن كل تجارب المئة العام ليست كافية لتدفع الجميع نحو الانصهار الوطني بديلا من التجاذبات الطائفية والمذهبية، والانقسامات السياسية والحزبية، والتباينات الفادحة حول رسالة لبنان وموقعه ودوره.

فقد كان لبنان قبل 1 أيلول 1920 ينقسم إلى قسمين، أراضي الولاية وأراضي المتصرفية، يتمتع قسم المتصرفية باستقلال ذاتي وفق نظام المتصرفية وتتبع أراضي الولاية لولاية بيروت، وقد كان لأراضي الولاية أهمية إقتصادية كونها تضم المرافئ والسهول الزراعية و طبعاﹰ أكثرية ساحقة من المسلمين.

ومن المعلوم أن الطوائف القاطنة في القسمين لم تكن تتشارك الولاء للدولة العثمانية، فالموارنة على الدوام أرادوا الاستقلال عن الدولة و تمتعوا بحماية خاصة و صداقة مع فرنسا. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وانتهائها لصالح الحلفاء، قدمت لجنة أميركية إلى لبنان وهي لجنة كينج- كراين، بغية الوقوف على آراء اللبنانيين، فطالب الموارنة وحدهم باستقلال لبنان مع حماية فرنسية، ومع وقوع لبنان تحت الانتداب الفرنسي بعد مؤتمر “سان ريمو”، التقت مصالح الموارنة مع مصالح الفرنسيين فجاء لبنان الكبير بلداﹰ محكوماﹰ من قبل الموارنة بشكل خاص، ورفض السنة والشيعة الإشتراك في الحكم وظلا يطالبان بالوحدة مع سوريا.

وبعد مداولات واتصالات ومفاوضات شاركت فيها فرنسا بشكل اساسي وكان للبطريركة المارونية في لبنان دورها فيها،  جرى إعلان تأسيس دولة “لبنان الكبير” خلال احتفال أقيم في مقر المندوب السامي العسكري الفرنسي الجنرال غورو في قصر الصنوبر، والذي لا يزال مقر السفارة الفرنسة في لبنان حتى الان.

وكان لا بد بغية إضفاء شرعية على الحكم الماروني المدعوم فرنسياﹰ أن يصار لإحصاء سكاني، لتبيان الطائفة الاكثر عددا. جرى الإحصاء عام 1921 وفق آلية شابها الكثير من الدقة والضبط. يضاف إلى ذلك، أنّ الإحصاء تمّ في ظروف داخلية معقدة سياسيًا واجتماعيًا. سياسيًا، دفع الموقف الرافض لدولة لبنان الكبير بنسبة كبيرة من اللبنانيين -عدا الموارنة- إلى عدم الإقبال على الإحصاء. أمّا اجتماعيًا، فكان التخوّف من التجنيد الإجباري أو الخدمة العسكرية أو دفع الضرائب، الدافع إلى التهرب من الإحصاء أو عدم التصريح بالمعلومات الصحيحة بخاصة لجهة الأولاد الذكور.

وبعد إعلان دولة لبنان الكبير، انخفضت نسبة المسيحيين في مجموع السكان في المتصرفية من 80٪ إلى 55٪ في حين ارتفعت نسبة المسلمين من 20٪ إلى 45٪ من سكان لبنان، وهذا ما أزاح الثنائية المارونية – الدرزية لتحل مكانها ثلاثية مارونية – سنية – شيعية – ستتبلور أكثر فأكثر في السلطة مع العقود اللاحقة.

ولعل الهيمنة المارونية على الحكم، والتي عرفت بفترة المارونية السياسية من جهة، وانتقال المسلمين لتأييد المواقف القومية العربية هي ما أوصلت لبنان لسلسلة من الأزمات السياسية من ثورة 1958 حتى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. واليوم نجد أن لبنان الكبير نفسه لم يتمكن من تحديد هوية جامعة لمواطنيه، فكل الطوائف الكبرى ذهبت لتكريس ارتباط مباشر مع حلفاء خارجيين على حساب الهوية الوطنية الجامعة للبنانيين، مما أوصل البلد لمصاعب اقتصادية لم يشهد لها مثيل نتيجة للمناكفات الدولية على أرضه. ويعيش اليوم هذا البلد الصغير أزمة وجود كبرى، كان حذر رئيس الدولة التي اعلنت منذ مئة عام قيام “لبنان الكبير”، من زواله واختفائه على عتبة المئوية الاولى له، فهل تصبح تحذيرات الرئيس ماكورن وزير خارجيته جان ايف لودريان المتعلقة باختفاء لبنان عن الخريطة اذا بقيت الامور فيه على ما هي اليوم؟ وفي ظل التطورات الاقليمية التي يقال ان التقسيم وجبة اساسية على طاولة مفاوضيها؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s