“التسويات الفرنسية”: لبنان في الحضن الايراني

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

حظي لبنان باهتمام فرنسي استثنائي خلال حكم الرئيس جاك شيراك وظهر هذا الاهتمام في ابهى صوره عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري والدور الكبير الذي لعبته الادارة الفرنسية في دعم انتفاضة الاستقلال وفريق ١٤ آذار وتجلى هذا الدعم في محطات عديدة كالقرارات الدولية الداعمة لمشروع ١٤ آذار وانشاء المحكمة الدولية.

في ايار ٢٠٠٧ انتخب نيكولا ساركوزي رئيساً للجمهورية الفرنسية وكان ذلك فاتحة تغيير كبير في الدور السياسي الفرنسي على الساحة اللبنانية وعلى صعيد الشرق الاوسط. فساركوزي كان من الداعين بقوة الى القطيعة مع السياسات الفرنسية السابقة واحداث تغيير عميق في قلب فرنسا وفي علاقاتها الدولية وكان يطمح الى اعادة نفوذ فرنسا في منطقة حوض المتوسط.

في نفس السنة تولى ساركوزي تنظيم ورعاية مؤتمر “سان كلو” لحل الازمة السياسية التي اندلعت في لبنان عقب استقالة الوزراء الشيعة من حكومة السنيورة. وهو المؤتمر الذي شهد طرح حزب الله رسمياً وللمرة الاولى مبدأ المثالثة وفكرة المؤتمر التأسيسي وحصل ذلك بدعم رئاسي فرنسي. لكن المعارضة الشديدة للافرقاء اللبنانيين دفعت الفرنسيين الى طي الفكرة وتأجيلها لا الغائها بالاضافة الى عدم توفر دعم اميركي لهذه الافكار الفرنسية النابعة من رؤية سياسية يقودها ساركوزي تهدف الى ترويض حزب الله وادخاله الى قلب المعادلة السياسية والانفتاح عبره على ايران وكسر عزلة سوريا الدولية مما يعيد النفوذ الفرنسي بقوة الى الساحة الدولية من بوابة الشرق الاوسط.

غزوة حزب الله لشوارع بيروت في ٧ ايار ٢٠٠٨ لم تكن لتحدث لولا وجود غطاء دولي وفرته الادارة الفرنسية لمنع حدوث ردة فعل او نقل هذه القضية الى اروقة مجلس الامن. كما انها دعمت جهود الوساطة القطرية التركية التي ادت الى انعقاد مؤتمر الدوحة ومارست ضغوطاً مكثفة على اصدقائها في فريق ١٤ آذار للحصول منهم على تنازلات سياسية مؤثرة نتج عنها اتفاق اذعان منح سيطرة كبيرة لحزب الله وحلفائه على الحياة السياسية في لبنان.

اعقب المؤتمر زيارة ساركوزي الى سوريا ليكون اول رئيس دولة كبرى يزور سوريا ويكسر العزلة الدولية المفروضة عليها منذ اغتيال الحريري. كما عقد قمة جمعته بالاضافة الى بشار الاسد مع امير قطر حمد بن خليفة ورئيس وزراء تركيا اردوغان اي العرابين الرسميين لاتفاق الدوحة السيء الذكر. وقد وعد ساركوزي الاسد وقتها بمساعدته في عقد اتفاق شراكة مع الاتحاد الاوروبي.

ومنذ ذلك الحين تتوالى الانكسارات والتصدعات في صفوف القوى المناهضة لحزب الله ونظام الاسد بفعل الضغوط الفرنسية عليها لاجبارها على تقديم التنازلات واحدا تلو الاخر على الرغم من صداقتها الوثيقة مع الادارة الفرنسية. وتكر سبحة التنازلات ومما ضاعف حجم خسائر القوى الاستقلالية هو انفتاح ادارة اوباما على ايران وبالتالي حزب الله وكذلك على نظام الاسد (قبل اندلاع الاحداث السورية عام ٢٠١١) وانعكاس ذلك على لبنان حيث تمكن حزب الله مع حلفائه من تنفيذ انقلاب سياسي على نتائج الانتخابات النيابية واسقاط حكومة سعد الحريري الاولى وتشكيل حكومة القمصان السود برعاية اميركية فرنسية. بالمناسبة هذه الحكومة اصبحت معهدا وعلامة مسجلة لتخريج رؤساء الحكومات اللبنانية مثل حسان دياب وزير التربية ومصطفى اديب مدير مكتب رئيسها.

استمرت الادارة الفرنسية في تطوير صداقتها مع ايران وحزب الله على حساب طموحات شريحة كبيرة من اللبنانيين وساهمت في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية المسماة ربط النزاع كما ساهمت في تغطية التعطيل العوني لجلسات انتخاب رئيس للجمهورية المدعوم من حزب الله ومارست ضغوطا على اصدقائها في جبهة ١٤ آذار المتصدعة لترشيح احد اقطاب ٨ آذار الموارنة للرئاسة مما ادى الى تفكك ١٤ آذار نهائياً. تلك الجبهة التي انطلقت برعاية فرنسية انتهت بفضل طمع اقطابها السلطوي وبفضل الجهود الفرنسية والاميركية في تعبيد طريق حزب الله لهدم ما تبقى من الدولة.

استهل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عهده بدعم جهود ميشال عون للوصول الى رئاسة الجمهورية وقام ماكرون بانجاز تسوية كارثية اتاحت لعون الوصول الى الرئاسة وكانت نتائجها وبالا على لبنان. شكلت الادارة الفرنسية الراعي الابرز لعهد عون الرئاسي وعرابة الحكومات الثلاثة السابقة التي اوصلت لبنان الى الانهيار الكبير الذي يعيشه اللبنانيون. مع انها منحت لبنان فسحة امل عبر مؤتمر سيدر لكن قوى الفساد في لبنان تولت تجميد مفاعيله.

يشهد لبنان اليوم احد فصول الصفقات السوداء المتناسلة الفرنسية المصدر في تزكية اسم السفير مصطفى اديب لرئاسة الحكومة في خطوة خيبت آمال آلاف اللبنانيين الذين انتفضوا في تشرين الماضي ضد الفساد وقوى الظلام والافساد وملأوا الساحات والشوارع. هؤلاء الذين عولوا كثيرا” على فرنسا وعلى المجتمع الدولي لاخراج لبنان من محنته ومن اسر حزب الله والجشع العوني، وتجمعوا للترحيب بماكرون في زيارته السابقة، فهو الذي دغدغ احلامهم وآمالهم بكلام معسول في حين انه اخرج من دفاتر فرنسا القديمة فكرة المثالثة واعاد طرحها من جديد في لقاءاته التي اجراها في تلك الزيارة التي اعقبت انفجار المرفأ ودمار بيروت. الامر الذي شكل صدمة لعدد من السياسيين وللبطريرك الراعي خاصة وهو الذي عبر عن صدمته بالاشارة في احدى عظاته الى الغرباء كل الغرباء الذين يحومون فوق لبنان قاصدا فرنسا.

فرنسا تقدم لبنان اليوم قربانا على مذبح مصالحها في تعزيز علاقتها مع ايران وميليشياته الدموية وتهدف الى جعل لبنان منصة فرنسية تطلق منها حلفا لمحاربة النفوذ التركي الذي يؤرق احلامها الاستعمارية في تحويل حوض المتوسط الى منطقة نفوذ فرنسي في حين انها لا تجد غضاضة في المشروع الالهي لآيات الله الايراني.

في ذكرى مئوية لبنان الكبير يعود الرئيس الفرنسي ليذكر اللبنانيين بأن فرنسا تركت في احضانهم قنبلة لبنان الكبير بصواعق متعددة يملك كل فريق من الشعوب اللبنانية المتنوعة امكانية سحب واحد منها لتنفجر القنبلة وتجعل من هذا الانتاج الفرنسي العصي على التحول الى دولة ركاماً وحطاماً يرزح تحت وطأته اللبنانيون منذ العشرينات.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s