لماذا عارضوا رفيق الحريري؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

لا زال الرئيس الشهيد رفيق الحريري رغم مرور خمسة عشر عاما على استشهاده مهيمنا على النشاط السياسي في لبنان، مع اختلاف النظرة اليه. فئة تحمله وزر الازمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها لبنان وفئة تعتبره صانع نهضة اقتصادية شكلت اختراقا في مسار انحداري بائس للدولة اللبنانية.

وعلى الرغم من ان مشروع الرئيس رفيق الحريري كان نسخة مطورة عن الافكار الاساسية للنخبة المؤسسة للدولة اللبنانية والتي تحكمت في قرار الدولة منذ الاستقلال حتى اليوم، لكنها شكلت معارضة شرسة لنهج الحريرية لعدة اسباب تتمثل بثلاث نقاط رئيسية:

الاولى: منذ اعلان لبنان الكبير هيمنت اسر برجوازية تجارية ومالية على الاقتصاد اللبناني وتحكمت بالقرار السياسي عبر ممثليها من وجهاء اقطاعيين، تكونت هذه الطبقة بغالبيتها من اسر مسيحية وبعض الاسر المسلمة وسيطرت على المشهد السياسي وعملت بالتعاون مع الفرنسيين على ارساء فكرة لبنان بلد “الاقليات الدينية المتشاركة” مع افضلية للموارنة، الامر الذي ادى الى تركز اغلب الصلاحيات في يد رئيس الجمهورية الماروني بنظام اقرب الى النظام الجمهوري بموافقة الزعماء المسلمين لطمأنة المسيحيين.

وقد شكل اتفاق الطائف هزيمة تاريخية في وجدان غالبية الموارنة بسبب تحويله الجزء الاكبر من صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء. كان رفيق الحريري عراب اتفاق الطائف ومع تسلمه رئاسة الحكومة اللبنانية وبسبب شخصيته الاستثنائية وعلاقاته المتشعبة سيطر على المشهد السياسي. الامر الذي ادى الى شعور المسيحيين بالتهميش والغياب عن القرار في الدولة، وتعزز هذا الشعور بنفي وسجن ابرز قادتهم السياسيين مما ادى الى رسم صورة في مخيلتهم عن سيطرة رئيس الوزراء المسلم على مقاليد الحكم، مع العلم ان صلاحيات الحكم توزعت على الرؤساء الثلاثة وعلى الوزراء ايضا بغية اشراك الجميع في القرار. ورغم محاولات الحريري الانفتاح على المسيحيين الا ان النخب السياسية المسيحية التقليدية لم تستطع تقبل تراجع نفوذها فعملت على اتهام الحريري باسلمة لبنان. وشكلت صلاحيات الرئيس الماروني العنوان الرئيسي في “مظلومية” المسيحيين ولا تزال.

الثاني: خوف البرجوازية التجارية والمحتكرة لاغلب النشاط الاقتصادي في لبنان من قيام الحريري باستبدالهم بطبقة من رجال الاعمال الجدد وتجريدهم من امتيازاتهم التاريخية. فالحريري نفسه رجل اعمال ناجح وعلى مستوى اقليمي ودولي ولديه من العلاقات الشخصية والتجارية ما يمكنه من القيام بذلك.

وكان الحريري يسعى دائما الى جذب الاستثمارات الخارجية لتطوير الاقتصاد اللبناني وعمل على تخفيف القيود الضريبية والجمركية لتسهيل دخول شركات اجنبية وعربية الى السوق اللبناني، مما ادى الى نشوء صراع مستتر بينه وبين الطبقة المالية المسيطرة بسبب خوفها من تراجع سطوتها وارباحها الخيالية لينفجر الصراع عام 2002 بعد اقرار الحكومة مشروع قرار يرمي الى الغاء الحماية القانونية عن الوكالات التجارية الحصرية وتحرير استيراد النفط ومشتقاته، حيث شنت البرجوازية حملة عنيفة على الحريري اتخذت طابعا طائفيا تتهم فيه الحريري باسلمة الاقتصاد وتجريد المسيحيين من امتيازاتهم التجارية (تتركز اغلب الوكالات التجارية بيد تجار مسيحيين) بعدما جردهم من امتيازاتهم السياسية. وقاد هذه الحملة عدد كبير من اصحاب الوكالات الحصرية وتصدر الحملة قطب الاعلانات الاشهر انطوان الشويري المسيطر على سوق الاعلانات بكامله عبر المؤسسة اللبنانية للارسال. ليرقد مشروع القانون قرير العين في ادراج المجلس النيابي ولم يستيقظ من سباته حتى اليوم.

الثالث: قام الحريري ببناء وترميم عدد كبير من المدارس والثانويات والمعاهد الفنية الرسمية وأنشأ المجمع الجامعي في الحدث كما قام بتغيير المناهج التربوية وتحديثها وتطوير مستوى الاساتذة.

الحريري واعادة التوازن الاجتماعي الداخلي

 كل هذه الاجراءات افسحت المجال امام زيادة عدد المتعلمين ورفع مستوى التعليم خاصة في مدن الاطراف وفي القرى مما اتاح الفرصة لفئات كثيرة الحصول على مستوى تعليمي لم يكن متاحا لها في السابق. ترافق ذلك مع اهتمام الحريري بتنظيم الادارة العامة وتحديث هيكليتها ورفع انتاجيتها فعمد الى تفعيل مجلس الخدمة المدنية وأنشأ المعهد المالي (معهد باسل فليحان) لتنمية قدرات الجهاز البشري في الادارات عبر التدريب الوظيفي والتطوير المستمر مما اتاح الفرصة لعدد كبير من ابناء الطبقة الفقيرة، حاملي الشهادات من مختلف المناطق اللبنانية، امكانية الدخول الى الادارة العامة وكذلك امكانية الترقي الوظيفي عبر الكفاءة والاستحقاق.

كما قدم مشروع قانون لتعيين موظفي الفئة الاولى والثانية عبر لجنة متخصصة تحت اشراف مجلس الخدمة تتولى اجراء المقابلات ينتج عنه اختيار ثلاثة اسماء ترفع الى الوزير المختص للاختيار من بينها، مما يقلص من نفوذ الوزير لصالح الكفاءة (تم ابطال القانون عبر المجلس الدستوري).

 وكان الحريري في الثمانينات قد اقام برنامجا اجتماعيا تربويا مميزا يتيح للمتفوقين من كل المناطق ومختلف الطوائف والمستويات الاجتماعية استكمال تعليمهم العالي في ارقى الجامعات على نفقة مؤسسة الحريري. كل ذلك ادى الى اضعاف قدرة اركان البرجوازية التجارية والزعامات السياسية الاقطاعية التقليدية على فرض نفوذهم واعادة انتاج زعاماتهم عبر تعيين محاسيبهم في الادارات العامة كما ان هذه النخب الجديدة التي عمل الحريري على صنعها كانت ستحتل مع الوقت مواقع ادارية رئيسية في الدولة وستقوم بتقليص نفوذ الدولة المالية العميقة والامتيازات التي تتمتع بها..

كل هذه الاسباب مجتمعة كانت تفرض على اركان “الدولة المالية العميقة” من اسر تجارية احتكارية متوارثة وزعماء اقطاعيين، طرح خلافاتهم جانبا والتوحد لمواجهة الحريري ومشروعه بكل الوسائل المتاحة طائفيا ومذهبيا وماليا وخدماتيا ولم تتورع البرجوازية التجارية عن توريط البطريركية المارونية في الصراع لكي ياخذ شكلا طائفيا في حين ان السبب الاساسي هي المصالح النفعية والمالية.

حزب الله والحريري

لكن المعارضة لم تقتصر على تجار لبنان التاريخيين وسياسييهم التقليديين الحريصين على مكتسباتهم بل شملت حزب الله ومشروعه الايديولوجي الذي لم يكن ليتوافق يوما مع مشروع الحريري. فمشروعه معارض للدولة حيث عمل على انشاء دويلته الخاصة وحرص على محاربة التعليم الرسمي وتوفير التعليم الخاص في مدارسه ذات المناهج المرسومة بعناية لارساء ثقافة معينة في اذهان التلاميذ ومن ثم تسهيل التعليم الجامعي في جامعات ايران دون غيرها، في حين يرسل ابناء مسؤولي الحزب الى ارقى الجامعات في الدول الغربية لاكمال تعليمهم مع الحرص على منع الدولة من تنفيذ مشاريع انمائية في مناطق سيطرة الحزب (ولا يزال في الذاكرة مشهد محاولة الاعتداء على مستشار الحريري اثناء حفل وضع حجر الاساس لمشروع اليسار المخصص لضاحية بيروت الجنوبية) وابقاء الفقر سيفا مسلطا يدفع الناس في مناطق سيطرته الى الاعتماد على نظام الاعالة الذي اسسه الحزب او على الانشطة المخالفة للقوانين اللبنانية خاصة التهريب على انواعه، ليتولى الحزب تامين الحماية لهم من الدولة بغية تعزيز الشعور بالحرمان وتركيز الغضب الشعبي على الدولة وعلى الحريري تحديدا.

 ورغم محاولات الحريري ارساء نوع من التعاون مع الحزب عن طريق حوار مع امينه العام لم يكن الحزب يستطيع المهادنة مع مشروع الحريري خاصة بعد تحرير الجنوب والقرار 1559 القاضي بخروج السوريين من لبنان مما قد يؤدي الى تفكك الحزب ومشروعه الكبير. كان الحريري يقف عائقا قويا امام هذا المشروع مما كان يحتم التخلص منه. يؤكد ذلك المسار المتدرج الذي انتهجه الحزب خلال السنوات الخمسة عشر التي تلت اغتيال الحريري حتى اصبح لبنان اليوم يوصف بدولة حزب الله.

خمس عشرة سنة انقضت على جريمة العصر ولا زال رفيق الحريري سيدا على الساحة السياسية اللبنانية. رفيق الحريري الذي دغدغ احلام اللبنانيين الخارجين من اتون حرب اهلية طاحنة وجعلهم يرسمون احلاما وردية في مخيلتهم عن لبنان المستقبل ليجدوا انفسهم اليوم يحلمون بساعة كهرباء اضافية او يشتهون دولارا ينسون شكله يوما بعد اخر. هذا الرجل الاستثنائي الذي يحاول الكثيرون خلافته اليوم ويدعون السير على نهجه وحدهم دون غيرهم ولكن لا هم هو، ولا هو هم، كل منهم يرسم بريشة تختلف عن الأخرى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s