تلُّ الزَّعتر… وذاكرةُ الأحمر

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مروان محمد الخطيب

كان ثمةَ مخيمٌ يُسمَّى: تل الزَّعتر،

كانَ أضمومةَ شوقٍ تحبو نحو فلسطين،

وكان يُحبُّ الحَنُّون،

ويهيمُ ذائباً في التِّينِ والزيتونِ والياسمين…!.

كانَ ثمةَ مخيمٌ يُسمَّى: تل الزَّعتر،

ينامُ يَقِظَاً،

ولا يسترسلُ في سُباتِ التَّائهين،

يقتاتُ من حُروفِ الأبجديٌّةِ، ما يُقيمُ فيه التَّوقَ الرَّغيدَ إلى الرَّيحَانِ والزَّيزفون، وما يبعثُ في عُروقِهِ أغاريدَ الأنساغِ الحالمةَ بالانتصارِ الميمون…!.

كان ثمةَ مخيمٌ يُسمَّى: تل الزَّعتر،

يعرفُ مليَّاً عكَّا ويافا والقدسَ وغزَّةَ والخليلَ،

ويعرفُ بشَغَفِ الوالهينَ نابلسَ وحيفا وجِنين،

ويستشري فيه التَّوقُ الأبيُّ للاندغامِ في تحاليقِ السُّنونواتِ، وهي تسترجعُ أخضرَ الربيعِ السَّاهر في جوارِ بَيَّاراتِ البُرتُقالِ اليافاويِّ، وعندَ فِتنةِ العناقيدِ المُتدلِّيةِ فرحاً مؤجَّلاً من دالياتِ دورا والخليل…!.

كانَ ثمةَ مخيمٌ يُسمَّى: تل الزَّعتر،

يعرفُ تفاصيلَ الشَّقائقِ في عينِ الحلوةِ وشاتيلا والنَّهرِ البارد،

ويعرفُ السِّرَّ الذي أودى بجسرِ الباشا إلى المَنون، وبالنَّهرِ الباردِ إلى وِهادِ الحُزنِ العميقِ، ولوعةِ الارتيابِ الصَّارخِ ليلاً ونهاراً…، ويعرفُ الدِّلالاتِ السياسيةَ لمُفردةِ “المجزرة”، ولا ينامُ حتى ينتهي الشَّوقُ الذي لا يموت…!.

…، كانَ تلُّ الزَّعتر فاتناً كَ “جفرا”، وآسرَ الخَفقِ كَشُعلةٍ اتَّقدَ أُوارُها في جبلِ النَّارِ، وصلَّتِ الفجرَ في محرابِ المسجدِ الأقصى، ثُمَّ قامَ فارساً أسرجَ الصَّهوةَ لأصباحِ البنفسجِ وشقائقِ النُّعمان…!.

كان تلُّ الزَّعتر،

شُرفةً من ياقوت،

يتدلَّى إلى رِحَابِ الرُّؤى،

ينغمسُ في تفاصيلِ البَوْحِ المُسترسِلِ هُياماً بصفدَ والنَّاصرة،

ولا يسمحُ لعينيهِ أنْ تُغمضَ أجفانُها بعيداً عن “يركا” و”ديشومَ” و”الغابسيةِ” و”عمقا” و”سعسعَ” و”صفورية”، وبعيداً عن المسافةِ الممتدَّةِ من الناقورةِ إلى النَّقب، ومن البحر الأبيضِ المتوسط، إلى حَوافِّ الخريرِ الصَّاعدِ من أمواهِ نهر الأردن…!.

…،ثُمَّ يرتقي تلُّ الزَّعتر شهيداً،

ويحملُ في حِضْنِ تُرابِهِ كالأمِّ الرؤوم، دماءَ بنيه،

آهٍ يا تلَّ الزَّعتر،

آهٍ يا سِفْرَ الدَّمِ الذي لا يَجفُّ،

ويا شَهقةَ الصَّبارِ في وجهِ الشَّمس…!،

كم غابَ عنَّا أولئكَ الشُّهداء،

وكم حضروا فينا أزاهيرَ أولياء،

وكم ارتقوا إلى عتباتِ البيلسان،

وتناجَوا هناكَ في واحاتِ القَرنفُلِ والتُّوليب،

وكم سَهرنا،

في ذاكرةِ المخيمِ والأحمرِ شاهقينَ بلا زفير:

نحنُ قومٌ نعرفُ معنى الشَّهادة،

نحنُ قومٌ لا يُنسينا الأبيضُ الأحمرَ،

والأسودُ لونُ حُزنٍ،

سينبتُ ذاتَ انتصارٍ،

فجراً من بنفسجٍ وعِقبان…!.

في يومٍ حتماً سيأتي كفتنةِ الجُلَّنار،

سنكتبُ بالفسفوريِّ اللَّامع:

هنا في التلِّ الزعتر،

سقط لنا آلافُ الشهداءِ،

كي تنتصرَ فلسطينُ،

وتعودَ أمَّتُها خيرَ أمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاس…!.

هُنا تلُّ الزَّعتر،

ذاكرةٌ لشهداء لنْ يُنْسَوا وسينتصرون…!.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s