طرابلس والدولة… الاندماج المفقود

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

شكلت مكانة طرابلس ووظيفتها السياسية والاقتصادية في الجمهورية اللبنانية مدار بحث دائم، ينطلق من فرضية باتت شبه اكيدة: هل طرابلس مدينة لبنانية قولا وفعلا؟ هل تعترف السلطة المركزية بعاصمتها الثانية؟ وماذا عن المسار التاريخي الذي طبع العلاقة بين الفيحاء والدولة، والذي ساهم في تهميش المدينة المكتنزة لحضارات شتى لصالح توجه ضيق عبّر عنه العديد من السياسيين من غير خجل.

بداية القصة

تبدأ الحكاية من اعلان لبنان الكبير عندما طالبت بعض النخب ذات السطوة بضم طرابلس والمدن الساحلية والاقضية الاربعة (صيد، صور، عكار، البقاع، بعلبك، راشيا وحاصبيا) متذرعة بسببين: ان هذه الاقاليم تشكل الحدود الطبيعية للامارة اللبنانية ابان حكم فخر الدين الثاني ومتصرفية جبل لبنان تحت حكم آل شهاب،  وبسبب المجاعة التي حصلت في الحرب العالمية الاولى في جبل لبنان وبيروت والحاجة الى زيادة رقعة الاراضي الزراعية لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

رفض سكان هذه المدن الانتداب الفرنسي كما رفضوا لبنان الكبير وجابهوا اعلان دولة لبنان الكبير بموجة اعمال عنف ضد الفرنسيين في الساحل والبقاع. ثم قدم وجهاء هذه المدن مذكرة اعتراض بإسم الاقاليم المضمومة فنّدت الذرائع التاريخية عن لبنان الكبير مؤكدين انه كيان لم يوجد في التاريخ. كما عبر سكان الملحقات عن معارضتهم للمظالم الاقتصادية والادارية والضريبية التي انطوى عليها ضمهم للكيان الجديد، فمع ان سكان الملحقات فاق عدد سكانها جبل لبنان (380.000 مقابل 330.000 نسمة) وكانت مواردها المالية اوفر فكان 83% من العائدات الضريبية للدولة الجديدة  تجبى من الملحقات و80% منها ينفق على جبل لبنان. كما ان معظم موظفي ادارة لبنان الكبير كانوا موظفي المتصرفية وقد حلوا مكان موظفي ولاية بيروت.

انقسام فرنسي ولبناني

لم يكن الانقسام حكرا على ابناء الدولة الحديثة بما خص ضم هذه الأقضية، حتى الفرنسيين انفسهم انقسموا ايضا حول حجم لبنان الكبير فقد عارضت الحكومة الفرنسية ضم طرابلس تحديدا. ورأى اريستيد بريان رئيس الحكومة الفرنسية عام 1921 ان فصل طرابلس عن لبنان سوف يؤمن لمسيحيي لبنان اكثرية عددية. وعام 1926 اقترح المفوض السامي دو جوفونيل اعادة ضم طرابلس والمناطق المسلمة من البقاع الى عكار لسوريا لان السنة لا يعتبرون انفسهم لبنانيين بل مسلمين.

عقب الاحصاء السكاني سنة 1932 (آخر احصاء رسمي) قدم اميل اده الذي تولى رئاسة الوزراء عدة مرات مذكرة رسمية الى الخارجية الفرنسية يطلب فيها جعل طرابلس “مدينة حرة” تحت الادارة الفرنسية يمنح سكانها من المسلمين الجنسية السورية ومن المسيحيين الجنسية اللبنانية، ومنح الجنوب حكما ذاتيا للتخلص من 55 الف سني في طرابلس و140 الف مسلم في الجنوب بهدف تحقيق اكثرية مسيحية للجمهورية اللبنانية. كما اقدم اده عندما كان رئيسا للحكومة على الغاء 111 مدرسة رسمية يقع معظمها في المناطق المسلمة. (وهو ما ذكره الكاتب فواز طرابلسي في كتابه: تاريخ لبنان الحديث من الامارة حتى اتفاق الطائف، وكذلك ذكره الكاتب كمال ديب في كتابه: امراء الحرب وتجار الهيكل).

لكن مصالح برجوازية بيروت (الحاكم الفعلي) ابقت طرابلس داخل حدود لبنان الكبير للحد من خطر تهديدها مركز بيروت الاقتصادي الغالب وخوفا من ان يصبح مرفأ طرابلس المرفأ الرئيسي للداخل السوري على حساب مرفأ بيروت. فطرابلس كانت ولاية اصيلة ابان حكم العثمانيين تتبع لها عدة مدن كان من بينها بيروت في بعض الازمنة وكان لمينائها البحري دور تجاري مرموق. وهذا ما لا يشير اليه كتاب التاريخ المعتمد رسميا في المناهج الدراسية.

طرابلس بعد الاستقلال

بعد استقلال لبنان عن فرنسا، استمرت السلطة الرسمية بتهميش طرابلس وباقي مدن الاطراف، كسياسة رسمية غير مكتوبة ظهرت اثارها على مدى السنوات التي اعقبت الاستقلال. فالازدهار الاقتصادي اقتصر على بيروت وجبل لبنان فقط. انعدم الانماء في طرابلس وابعدت عن مركز القرار. لم تسمح يوما “الدولة المالية العميقة” لطرابلس بالنمو واعتمدت على الاقطاع السياسي لتمثيلها والتمثيل بها.

طرابلس ايام فؤاد شهاب

 شكل عهد الرئيس شهاب انعطافة في المسار حيث عمل على تنمية طرابلس والاطراف، وفوق ذلك اختار احد ابناء طرابلس الرئيس رشيد كرامي ليتولى رئاسة اغلب حكومات عهده الاصلاحية، وكان العهد الذهبي لكرامي حيث برز على الساحة السياسية بقوة وساهم عبر البرنامج الاصلاحي في ادخال عدد كبير من ابناء المدينة الى الادارة العامة من باب الجدارة والاستحقاق عبر مجلس الخدمة المدنية، الامر الذي ادى الى كسر خصومة طرابلس مع الدولة ولكن الى.. حين.

مع نهاية عهد شهاب قام اركان الدولة المالية بالانقضاض على المدينة لاعادتها كما كانت، وساهموا بانتشار الفوضى في شوارعها، بحيث بات يمثلها قبضايات الاحياء وبعض الشخصيات الكارزماتية، بداية من ظهور دولة القدور،  واستمر ذلك مع ابو عربي وحكم التوحيد في الثمانينات وصولا الى قادة المحاور، الذين ظهروا برعاية اجهزة الدولة وباتوا المرجع في تحصيل حقوق المدينة بظل صمت قاتل من قبل الاهالي، كل ذلك جرى على قاعدة “يتغير اللاعبون وتبقى اللعبة”.

حقبة رفيق الحريري

شكلت حقبة الرئيس رفيق الحريري في الحكم الاستثناء الثاني في العلاقة بين طرابلس والدولة. قبل دخوله المعترك السياسي اسس برنامجا طموحا لدعم الشباب في التحصيل العلمي في ارقى جامعات العالم كان من بين اهدافه صنع نخب جديدة وكسر احتكار التعليم المرموق من بعض الفئات، وايجاد توازن اجتماعي بين اللبنانيين، وبالفعل استفاد عدد من ابناء طرابلس وباقي مدن الاطراف من هذا المشروع.

كما اقدم الحريري في الفترة بين 2002-2005 خلال ترؤسه الحكومة على احداث طفرة في المدارس والثانويات والمعاهد الرسمية خاصة في طرابلس ومدن الاطراف (جرى ذلك بمسعى وجهد من وزير التربية آنذاك سمير الجسر) ليشمل التعليم جميع الفئات واتاح لعدد كبير من ابناء طرابلس الدخول الى الوظيفة العامة والترقي الوظيفي عبر تفعيل مجلس الخدمة المدنية.

كل ذلك افضى الى مسار اندماج لا بأس به لطرابلس في قلب الدولة، مسار بدأ بالظهور خلال اواخر حكم الحريري،  وكان التعبير الامثل عنه في ردة الفعل على اغتياله والمشاركة الكثيفة لابناء المدينة في المظاهرات والشعارات السياسية اللبنانية الصرفة التي رفعت للمرة الاولى ربما في ارجاء المدينة التي كانت تتفاعل دوما مع القضايا المعيشية والمطلبية ومع القضايا السياسية العربية والفلسطينية تحديدا اكثر من تفاعلها مع القضايا السياسية اللبنانية.

رافق ذلك بروز فئة من ابناء المدينة ممن تولوا مسؤوليات عامة واصبحت طرابلس شريكة في صنع القرار اللبناني رغم الاحداث الامنية التي شهدتها في تلك الفترة لغاية عام 2011 فمع الانقلاب على حكومة سعد الحريري وتولي نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة واندلاع الثورة السورية عادت الامور كما كانت في الثمانينات فبرز قادة المحاور، واحتدمت المعارك المفتعلة مع الجيش.

طرابلس وثورة 17 تشرين

ثم أتت ثورة 17 تشرين التي كان لطرابلس فيها الكلمة الفصل، حيث غصت ساحة النور باعداد المشاركين بالتظاهرات، من كافة الشرائح الاجتماعية والطبقات والتوجهات والخلفيات، واكتشف البعض من هؤلاء مدينته للمرة الأولى، وتعرف حقيقة على جاره وصديقه في ميدان التحركات، واعطت المدينة صورة استثنائية عن حيويتها وفعاليتها، لا بل انها عندما خفت وهج الثورة في بقية المناطق، اعادت الناس الى الشوارع فكانت مجددة للثورة وباعثة في جسدها الروح، بل كانت هي روح الثورة، والمدينة الاكثر وطنية وحرصا على مستقبل البلاد، انما ذلك لم يدم طويلا حيث عادت الدولة العميقة الى دورها القديم في تشويه صورة المدينة وارسلت خفافيش الليل للنيل منها والعبث بها، واحراق بنوكها في اشارة واضحة الى استعادة الفكرة القديمة من قبل الدولة المالية العميقة: لا نريد طرابلس داخل لبنان.

كل هذا يشير الى ان الاندماج لا زال مفقودا، وان ما يرسم من سيناريوهات، ويطرح من افكار، كلها تصب في خانة تأييد فكرة ان طرابلس عبء على دولتها…لذا سيبقى الاندماج غائبا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s