من وحي “التُّوت المُرّ”…!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مروان محمد الخطيب

كانتْ عيناهُ تتملَّيانِ من (التُّوتُ المُرّ)، وقلبُهُ شاخصٌ في الحُروفِ، وبينَ الكلماتِ المُرتَجَّاتِ بِقُوَّةِ الإرادةِ التي نهضتْ للتَّغيير، وللقضاءِ على آفةِ مُخَدِّرِ “التكروري”. كما أَنَّهُ سافرَ نَبضاً ورُوعاً في شخصيَّةِ بطلِ الرِّوايةِ “عبد الله”، ابنِ الجنوبِ التُّونسيِّ المُفعمِ بروحِ المُقاومةِ، وبِهِمَّةٍ عاليةٍ ترفعُهُ إلى مصافِّ المُكافحينَ ضدَّ الفسادِ، وضدَّ انتشارِ سُمِّ المُخدِّراتِ في الشبابِ وأبناءِ المُجتمع.

كانَ يرى في أذنابِ الاستعمارِ الذي قهرَ تونسَ الخضراءَ سنواتٍ، ولمْ يستطعْ هزيمتَها، ما يراهُ اليومَ في أذنابِ القاهرين، فيجولُ في نَفسِهِ مُتسائلاً: هل الترويجُ للمُخَدِّراتِ والآفاتِ الكبتغونيَّة وما شاكلها، عُملةٌ مُشتركةٌ بينَ المُسْتَعمرِ والقاهر…؟!.

…، ويعودُ إلى “محمَّد العروسي المطوي”، ويقرأُ في روايتِهِ ما يُريحُ الفؤادَ ويُطمئنُ النَّجاوى، لِيَرحلَ في أمانيهِ البيضِ، إلى شُرفاتِ العزيمةِ والمُروءةِ، حينَ يُحَدِّقُ ثانيةً وخامسةً في مُقارعةِ البطلِ “عبد الله” لسلطةِ الزَّيفِ في قريتِهِ، أولئكَ الذينَ نُصِّبوا على النَّاسِ كي يرعوا شؤونَهم، وهمُ الرُّويبضاتُ القاتلاتُ معنى السَّعادةِ الحقيقيَّةِ في قلوبِ النَّاس، بل هُمُ مَنْ يزرعونَ الآفاتِ التي تُشِلُّ رُوْحَ العطاءِ والفداءِ والتَّضحيةِ في الشَّبابِ والكُهول، كي يسعدَ المُسْتَعمرُ في نَهبِ ثرواتِ البلاد، وكي يبقى على صُدورِ العِبادِ رابضاً ثقيلاً، فيحولُ بينَهم وبينَ فجرِ الانتصار…!.

ويقرأُ في الصَّفحةِ ما قبلَ الأَخيرةِ من (التُّوت المُرّ): “لا…لا…، قبلَ أن أرى الطِّفلَ، وقبلَ أن أرى عائشة، سأذهبُ إلى أُمِّي…، سأقولُ لها: إنَّ عائشةَ انطلقتْ رجلاها، لم تبقَ عنزاً جرباء، ستمشي على قدميها، ستكونُ مثلَ النِّساءِ الأُخريات”.

و”عائشة”، بطلةٌ ثانيةٌ في الرواية، فتاةٌ كسيحةٌ تزوَّجَ منها “عبد الله”، مُتحدِّياً الأَعرافَ الباليةَ، ومُنْتَصِراً للمعاني السَّاميةِ في الحُبِّ، تلكَ التي تتقوَّى وتسمو على ما يُشبهُ المُستحيل…!.

وهُنا يضعُنا “المطوي” على فلسفةٍ رائعةٍ في العطاءِ والوفاء، حينَ انبرى “عبد الله” الشُّجاعُ والأَبيُّ، إلى تجاوزِ المُعَوِّقاتِ الجسمانيَّةِ في “عائشة”، التي يبدو أنَّها لم تَكُنْ مُعَوَّقةً بالمعنى الفيزيولجي، فأدركَ بحُبِّهِ ووعيهِ حاجتَها إلى دلالاتِ الحُبِّ العَملانيَّة، فقامَ كالطَّودِ الشَّامخِ في محاريبِ الفداءِ الاجتماعيِّ، فأعطى من شَغافِ قلبِهِ وجوارحِهِ، ما أعادَ إليها الأَملَ في الحياةِ، وفي نبذِ الكُساحِ، من أجلِ الانطلاقِ الفذِّ في مناكِبِها، وكي تكونَ لهُ يداً وعزيمةً في مواجهةِ الاستعمارِ وأذنابه، وصولاً إلى تحريرِ تونس، من الظَّلامِ الفرنسيِّ، وحملها إلى مراقي الشَّمسِ والأَخضرِ الفينان…!.

كما أَنَّ “مُحمَّد العروسي المطوي” لم يغفل عن المقامِ العالي للأُم، فأجرى على لسانِ بطلِهِ “عبد الله” رَغبتَهُ في إخبارِ أُمِّهِ أوَّلاً بخبرِ مغادرةِ “عائشة” كُساحَها، ما يُسْعدُ أمَّ عبد الله، وما يجعلُها مطمئنةً إلى اختياراتِ ولدها في السِّياقِ الاجتماعي، مُقدِّمةً لاطمئنانٍ عتيدٍ لما سيقودُ إليهِ كِفاحُهُ في مواجهةِ المُستعمرِ وعملائه!.

…، ويتمعَّنُ صاحبُنا في كُنْهِ (التُّوت المُرّ)، كما تَمعَّنَ مِنْ قبلُ في (زوربا اليوناني)، ويدركُ فلسفةَ “المطوي” إدراكَهُ فلسفةَ “كزاتزاكيس”، فيرى الحياةَ فكراً عميقاً مُستَنيراً، وقائداً إلى مفاهيمَ كُلِّيةٍ وجُزئيَّةٍ عنها وحولَها، وإلى منظومةٍ سُلوكيَّةٍ مبنيَّةٍ على ذلكَ الفِكر، وصولاً إلى اطمئنانٍ منشودٍ، بحثَ عنهُ الكثيرونَ من الفلاسفةِ والشُّعراءِ والأُدباء، فأصابَ حقيقتَهُ بعضُهم، والبعضُ الآخرُ بقيَ مُسْتَغْرقاً في إبداعاتِهِ، أملاً في الوصولِ إلى الذي لمْ يبلُغْه…!.

وبالعودةِ إلى “المطوي” الراوي و”السَّارد تفاصيل الحياةِ المعيشةِ وسط قريةٍ في الجنوبِ التُّونسي”؛ يرى صاحبُنا رسالتَهُ، كما رسالة الأَدب عموماً، تتجاوزُ المكانَ والزَّمانَ المُعَيَّنَين في الرِّواية، إلى كُلِّ الأمكنةِ والأَزمنةِ المُشابِهة، وبالتالي، يراها نداءً حارَّاً من أديبٍ مُفَكِّر، إلى جميعِ الرَّاغبينَ بالتَّجاوزِ والانتصار، تجاوزِ المهانةِ والذُّل، سَعياً عنيداً ومُستَنيراً من أَجلِ بلوغِ فحوى ومعنى الانتصار، بقيمِهِ الإنسانيَّةِ والأَخلاقيَّةِ والفِكريَّة. وإذَّاكَ تغدو الحياةُ بُستاناً أَخضرَ مزروعاً بالحُبِّ والأمان، وبالطُّمأنينةِ والرِّضوان، وتصبحُ مُخَلَّصةً من بواعثِ الحرمان، من رموزِ وأداواتِ الطُّغيان، وتُشرقُ على أمداء مسكونةٍ بالرَّيحان، ومُحَرَّرةٍ من مراراتِ الذيفانِ وأبقِ الخذلان…!.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s