بين الراعي وعون… “حياد” مرفوض

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طارق المبيض

بمناسبة المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير توجّه الرئيس عون في نيسان الفائت بكلمة الى اللبنانيين جاء فيها: “لبنان أكبر من أن يبلع وأصغر من أن يُقسّم”. العبارة –وبحقّ- تستحقُّ أن يُجمع عليها اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومذاهبهم، خصوصاً بعد مئة سنة قاسية عاشها اللبنانيون بين داعٍ للوحدة مع سوريا حيناً ومصر أحياناً، وبين من حلموا بجعل لبنان “وطناً بديلاً” انطلاقاً من مسلّمة أن طريق القدس يمرُّ بجونية، وأولئك الذين دعوا الى الانعزال وبناء جدران العداوة مع المحيط العربي وارتموا باحضان الاسرائيليين، وأخيراً بين من أرادوا تغيير النظام السوري انطلاقا من شوارع التبانة وطرقات عنجر ومخيمات صيدا، وآخرين التفّوا –في طريقهم الى القدس- من الحدود اللبنانية الفلسطينية عبر حلبَ وحمص وغيرها من المدن السورية وأقحموا لبنان في فوضىً سياسية لم تشهدها سوريا نفسها دون أن يصلوا بعد تسع سنوات من الحرب الى فلسطين، او حتى الى تخوم الجولان المحتل.

لكن عبارة الرئيس عون العظيمة، “لبنان أكبر من أن يبلغ، وأصغر من أن يقسّم”، ترد عليه، وهي تشير الى هوّة سحيقة بين شعار فخامة الرئيس وتوجهه السياسي منذ اتفاق مار مخايل الشهير سنة 2006 الذي أعطى بموجبه حزب الله زخماً سياسياً للتيار الوطني الحر، مقابل تأمين التيار الوطني الحر الغطاء المسيحي لسيطرة حزب الله على مفاصل الدولة.

وهذا الأمر يمكن أن يُفهم لولا أن حزب الله ليس حزبا سياسيا داخليا وحسب، بل هو حزب عقائدي ملتزم بتحقيق مشروع ولاية الفقيه، ذلك المشروع القائم على “القضم والبلع” للبلدان العربية قطعةً قطعة. وأسهل قطعة للبلع بطبيعة الحال ذلك البلد الذي ينهشه الفساد والمحسوبية والذي يعاني أبناؤه أزمة هوية منذ انشائه، فيربو شعورهم المذهبي غالباً على روحهم الوطنية.

وعون لم يكتفِ بمشاهدة لبنان وهو “يُبلَع”، بل ساهم في أكثر من مناسبة بسلخ لبنان العربي عن محيطه، عبر دعمه لمكون سياسي-عسكري يتدخّل بملفات دول الخليج ويزعزع أمنها القومي. هذه الدول التي يغترب فيها لبنانيون بعشرات الآلاف ويؤمنون تحويلات سنوية لبلدهم بمليارات الدولارات. هذه التحويلات التي يبدو أن العهد زهد بها بعد البدء بـ”الجهاد الزراعي” الذي تكلم عنه نصر الله في وقت سابق.

عون يرفض دعوة الراعي للحياد

وضمن هذا الاطار بدا وكأن بطريرك الموارنة بدأ يستمع الى أصوات النخبة التجارية والصناعية والثقافية اللبنانية، التي رأت بتحالف عون- نصر الله خطراً على الكيان اللبناني الذي أنشئ قبل مئة عام، وعلى المصالح التي حفظها هذا الكيان للموارنة في شتى المجالات ما جعلهم متمايزين مع أقرانهم من المسيحيين العرب.

 الراعي الذي كان قد دعا الى حياد لبنان، وهذا ما يتطلب بطبيعة الحال، عدم تدخل بعض مكوناته بالشؤون العربية، والابتعاد عن سياسة المحاور، شكلت دعوته احراجاً للرئيس عون، الذي لا يستطيع أن يرفض مثل هذه الدعوة التي بنيت عليها فكرة الكيان اللبناني، والميثاق الوطني بعيد الاستقلال الذي ينص على علاقات طيبة للبنان مع محيطه العربي، وكذلك لا يمكن لعون أن يعارض فكرة الحياد التي دعت اليها الأحزاب المسيحية اللبنانية وخاضت لأجلها الحرب الاهلية اللبنانية بوجه منظمة التحرير الفلسطينية تارة، وبوجه القوات السورية تارة أخرى.

لذلك أبدى عون عدم معارضته لطرح الراعي للحياد، لكنه بالمضمون رفض عون مبدأ الحياد عبر وزير الخارجية السابق جبران باسيل الذي وضع شروطاً تعجيزية لقبول الحياد، ومنها وقف احتلال اسرائيل للأرض الذي لم تستطع انهاءه الدول العربية مجتمعة خلال 70 عاما، ووقف الارهاب المنظم الذي هو كالشبح لا يمكن لأحد التحكم به، وترسيم الحدود الذي يعطله فريق باسيل نفسه، واعادة النازحين السوريين الذي يرفضه نظام الاسد، وعودة اللاجئين الفلسطينيين وهو الملف الذي يرتبط بتسوية شرق اوسطية قد لا تأتي بمئة عام.

هذا الرفض العوني للحياد، سيضع لبنان أمام منعطف خطير، وسيشكل تحدياً للكيان اللبناني وللمكون المسيحي الذي كانت له اليد الطولى بخلق مفهوم هذا الكيان. لبنان اليوم على مفترق طرق بعد مئويته الأولى. كثيرةٌ هي الظروف التي تؤثر على حياة أبنائه، الذين دفعوا ثمن الحروب كما دفعوا ثمن التسويات، فهل يبعد عنهم الحياد ضريبة الحروب والتسويات؟  وهل سيعود هذا البلد الى علاقاته الطبيعية بأشقائه العرب؟ واستطرادا، هل انتهى زمن العونية السياسية التي جنحت عن طرحها الكنيسة المارونية لصالح الطرح القواتي- الكتائبي الرافض لدخول لبنان في سياسة المحاور؟؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s