حياد الرئيس فؤاد شهاب.. لتعزيز العروبة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طلال الدهيبي

اعاد البطريرك الراعي مار بشارة بطر الراعي استعادة “نظرية الحياد الايجابي”، في اصعب الظروف التي يمر بها لبنان، فماذا يعني هذا المصطلح وهل فعلا يمكن ان يصبح لبنان بلدا محايدا؟

لا شك ان المصطلح يعني في السياسة الوقوف على الحياد حين تتصارع القوى العالمية ، فيلجأ الطرف الضعيف من دول العالم الثالث الى عدم اظهار عاطفته تجاه هذه الدولة او تلك، ويلتزم الصمت دون اجراءات او مواقف يتخذها مؤيدة او معارضة،  ليتجنب مسائل لا تحمد تبعاتها . وقد تم استعمال هذا المصطلح كثيراﹰ في منتصف القرن العشرين ، وتحديداﹰ من قبل مجموعة دول عدم الإنحياز، وهي الدول الراغبة بالوقوف على مسافة واحدة بين المعسكرين الجبارين  آنذاك، الشرقي والغربي.

ويعود اليوم العديد من الساسة اللبنانيين لذكر هذا المصطلح ، مع استعار الصراع العالمي على منطقة الشرق الأوسط بين الأفرقاء الدوليين، مما أدى لتوسع الملفات الملتهبة في المنطقة  ومن ضمنها لبنان، الغارق أساساﹰ في صعوبات مالية  ونقدية واقتصادية عميقة، وحيث يلعب الانخراط المباشر في  الصراعات الخارجية من قبل أفرقاء داخليين دوراﹰ في توسع الأزمة.

ولكن، هل كان لبنان يوماﹰ ما محايداﹰ؟ وهل انعكس هذا الحياد نتائج ايجابية في الداخل؟ الجواب، بالطبع. وهنا نسرد قصة انزلاق خطير لبلد صغير كلبنان نحو الصراعات اللبنانية ، وكيف أفضت سياسة الحياد الإيجابي لإعادة الهدوء.

 ففي زمن الرئيس كميل شمعون( 1952-1958) ظهر انقسام عام على صعيد السياسة الخارجية بين الرئيس شمعون  ومعارضيه ، ومن أبرزهم الرئيس  رشيد كرامي  والزعيم كمال جنبلاط . وقد بدأت جذور الأزمة مع رفض الرئيس شمعون إرسال رسالة إعتراض أو اتخاذ موقف رسمي رافض للعدوان الثلاثي على مصر، مما أغضب الجماهير المؤيدة للرئيس عبد الناصر، وبدأ حينها الصراع بين مكونات الحكم اللبناني. ومن ثم ظهر تباين واضح في وجهات النظر حين أبدى الرئيس شمعون رغبته بانضمام لبنان لحلف بغداد المركزي ، وهو حلف يضم حلفاء المعسكر الغربي  والمعادين لسياسة الرئيس عبد الناصر، كما وأبدى الرئيس شمعون استعداده للتعاون مع إدارة الرئيس أيزنهاور، والذي عملت إدارته على توسيع دائرة الحلفاء المناهضين للمد الشيوعي .

هذا الوضع الذي قابله رفض عام من قبل المسلمين أدى لحدوث شرخ في المجتمع اللبناني، ظهرت بوادر حرب أهلية في العام 1958، حين أراد الرئيس شمعون التجديد لولايته الرئاسية مرة أخرى فعمت الثورة لبنان، وتمكن الثوار خلال ثلاثة أشهر من فرض سيطرتهم على ثلاثة أرباع الأراضي اللبنانية.

وانتهت الثورة بعد رفض تدخل الجيش اللبناني  وعلى رأسه اللواء فؤاد شهاب في فض الصراع. ونشير هنا لدور البطريرك الماروني بولس المعوشي ، والذي لم يعارض سياسات العروبة ، ورفض انزلاق لبنان نحو سياسات مؤيدة لمعارضي العروبة ، وبالتالي لم يؤيد الرئيس شمعون في سياساته، كما أنه دعم الرئيس فؤاد شهاب في توليه الرئاسة، وهكذا انتهت الأزمة بانتخاب فؤاد شهاب.

ومع ابتداء عهد هذا الرئيس ، كانت أول مهامه إصلاح ما فعلته الإدارة السابقة على صعيد السياسة الخارجية، فاجتمع مع الرئيس عبد الناصر في خيمة على الحدود ليصلح علاقة لبنان مع محيطه، وقد أعرب الرئيس عبد الناصر أثناء اللقاء بأن الجمهورية العربية المتحدة لا تريد من لبنان تحالفاﹰ سياسياﹰ يؤدي لعداوة لبنان مع أطراف عربية، ولا يريد من لبنان التخلي عن صداقاته الإقليمية  والعربية،  ولكنه يأمل ألا يدخل لبنان في مخططات تؤدي للإضرار بعلاقات لبنان مع جواره العربي، كما أنه أعرب عن اهتمامه الشخصي بتكريس وحدة لبنان بين أطيافه المختلفة،  وأنه حريص على المحافظة على هذه الوحدة وبذل ما يمكن بذله لتدعيمها.

وبدوره أكد الرئيس شهاب على مصلحة لبنان في تضامنه مع الدول العربية ، وقد شجب سياسة الأحلاف التي كانت كافية في عهد سلفه لتهديد علاقات الأخوة والجوار بين لبنان  وبين  الدول العربية، وأن هذه السياسات قد قسمت العرب، وهذا كاف بالنسبة له كي يبتعد بوطنه عنها. وللتأكيد على العلاقة مع الرئيس عبد الناصر أكد الرئيس شهاب بأنه سيمنع أي نشاط معاد للجمهورية العربية المتحدة داخل لبنان، وقد طلب من الرئيس عبد الناصر مساعدته في إعادة اللحمة بين الأفرقاء اللبنانيين كونه يمتلك علاقات واسعة بين صفوف الزعماء المسلمين و ذوي التوجه اليساري، وشكل هذا اللقاء محطة اساسية في مسيرة لبنان مع الحياد الايجابي كونه اتى بحرص من زعيم عربي كان يتقدم في تلك الفترة على باقي الزعماء، ومن رأس الجمهورية اللبنانية، التي تقف اليوم في الطرف المقابل لمفهوم الحياد اللبناني وتقدم له مفاهيم خاصة تتوافق مع اجندتها السياسية.

البطريرك بولس المعوشي

وأما من ناحية العلاقات مع الغرب فقد استمرت مع الأميركيين  رغم التراجع بفعل تأييد لبنان للقضية الفلسطينية،  ومسايرة الأميركيين للمشروع الإسرائيليي، وعلى صعيد العلاقات الأوروبية فقد كانت العلاقة ممتازة مع الفرنسيين مع اتباع سياسة تقاربية في عهد الجنرال ديغول إلى جانب انضمام لبنان كعضو مشارك في السوق الأوروبية المشتركة.

 وقد حظيت سياسة الرئيس فؤاد شهاب بتأييد اللبنانيين مسلمين ومسيحيين. فحقق الرئيس شهاب بخطواته الحكيمة  تقاربا اسلاميا مسيحيا ملحوظا، وجنب لبنان أنواء السياسات الخارجية المعادية كونه لا يحتمل لخصوصيته الطائفية المشاركة في النزاعات الإقليمية.

من هنا ومع الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه لبنان، لا بد للبنان من العودة لأساسات ما بناه الرئيس شهاب، إذ أن لبنان لا يحتمل أي علاقة عداوة أو تنافر مع أي طرف عربي شقيق أو طرف دولي صديق، فيكفي لبنان أن يكون صديق الجميع مما يؤدي لتعزيز الأمن الاجتماعي الاقتصادي..فهل من متعظ؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s