“حلاق دمشق*”… التأريخ بلسان العوام

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

يعد هذا الكتاب ثمرة جهود سنوات من البحث والعمل الدؤوب بذلتها المؤلفة في احياء سيرة بعض العوام (العامة) في تاريخ بلاد الشام، حيث قادها البحث المستمر الى كتاب التأريخ الشعبي لمؤلفه الحلاق الدمشقي واسمه شهاب الدين أحمد ابن بدير الحلاق ومنها الى المخطوطة الوحيدة التي تحمل النص الاصلي لتاريخ الحلاق والتي تقبع في مكتبة في ايرلندا.

تنطلق الباحثة من تاريخ حلاق دمشق الى دراسة ظاهرة أدبية واجتماعية تميزت بها بلاد الشام في القرن الثامن عشر وهي ظاهرة كتابة التاريخ في نمط اليوميات من قبل عدة أشخاص بخلفيات اجتماعية متباينة عثرت عليهم الباحثة خلال بحثها عن تاريخ بلاد الشام. أطلقت الباحثة على هذه الظاهرة اسم “محدثي الكتابة” مستوحية الاسم من مصطلح “محدثي النعمة”.

تقدم السجدي من خلال صفحات هذا الكتاب التاريخ الاجتماعي لبلاد الشام خلال القرن الثامن عشر بأسلوب اكاديمي أنيق ورشيق ودقيق تلقي الضوء من خلاله على ظهور نظام سياسي اجتماعي جديد في الولايات التابعة للسلطنة العثمانية خاصة مدينة دمشق التي كانت تعد من أهم المدن العربية في السلطنة. فوالي دمشق هو أمير الحج بما يمثل ذلك من رمزية وأهمية شديدة لدى الدولة العثمانية. عاشت الولايات العثمانية في تلك الفترة نوعاً من اللامركزية الادارية وتأثرت بانتقال السلطة الفعلية في العاصمة اسطنبول الى الوزراء وتطبيق نظام ضريبي جديد ” المالكانة ” تمنح الدولة بموجبه اقطاعات لمستفيدين محليين مقابل مال يدفع مقدماً للخزينة العثمانية. كل ذلك أفضى الى حراك اجتماعي كبير نتج عنه ظهور وهيمنة عائلات جديدة (النخب الجديدة) وخروج كتابة التاريخ الذي كان يعد قبل هذا القرن ادب النخبة من احتكار كتابته من قبل العلماء الى أفراد من العامة.

تبدأ الباحثة بتفسير إحداث الكتابة كظاهرة اجتماعية لتلقي الضوء على ظواهر اجتماعية عديدة حدثت في القرن الثامن عشر بما في ذلك ظهور قصور عائلات الاثرياء والتفاخر بالاملاك والثروات والبذخ الشديد والنزهات في الهواء الطلق وخروج المرأة للاماكن العامة.

الحلاق : سيرة اجتماعية فكرية

وتنتقل بعدها الى تقديم سيرة اجتماعية فكرية لحلاق دمشق الذي كان صاحب ثقافة مذهلة بالنسبة الى مكانته الاجتماعية. قرأ القرآن الكريم كاملاً ودرس علم التوحيد والفقه والنحو وعلم البديع. اختار الانتساب الى الطريقة القادرية التي لم تكن اكثر الطرق الصوفية شيوعاً بسبب رغبته في الانغماس في ثقافة العلماء، علماً أن ابن بدير لم يكن يخجل ابداً من تعريف نفسه كرجل فقير، غالباً ما كان يتحدث باسم “الأصاغر “. كما تتطرق الباحثة لاستخدام الحلاق استراتيجيات معينة في ثنايا كتابه تظهر ذكائه الذي مكنه من حجز مكان لنفسه بين النخبة المثقفة داخل الفضاء النصي لتدعيم مكانته الاجتماعية.

توضح كيف يطعم الحلاق نص التأريخ بعناصر من السيرة الشعبية المحكية لجعل تأريخه مألوفاً لجمهوره الخاص (السيرة الشعبية هي وصف خيالي لحياة شخصيات حقيقية) . ويستحضر كبار شخصيات الدولة لاستجوابهم ويوضح باستمرار اهمال المسؤولين وفسادهم وذكره الدائم للأسعار وشكواه من ارتفاعها المستمر ونقده انغماس الاثرياء في ممارسات غير أخلاقية. وعلى الرغم من استخدام الحلاق للتراجم الا أنه يدخل شخصيات غير معهودة في هذا الشكل الادبي مثل الحكواتي، ويكثر من استعمال السجع بهدف جعل السرد درامياً، وتلاحظ الباحثة أن المفردات والصرف خليط بين الفصحة والعامية وذلك لكون جمهور الحلاق كان من العامة وترى كذلك أن ابن بدير وجد في التأريخ فضاءً بديلاً ليخلد ذكراه .

تتحول بعدها الباحثة الى دراسة ظاهرة اقبال العديد من الأفراد ذوي الخلفيات الاجتماعية المتباينة على نصوص التأريخ وأن لغة هذه النصوص هي من جعلها تتحول الى ظاهرة تتمثل باستخدام مزيج متنوع من اللغة العربية بما فيها العامية. عنى ذلك أيضاً انتهاء هيمنة العلماء على انتاج المعرفة التاريخية حيث بات التاريخ متاحاً لأشخاص لم تكن مهنهم وانماط حياتهم مرتبطة بثقافة العلم.

وتتنبه السجدي لاستخدام محدثي الكتابة لاساليب سرد الحكايات وتقنياته وتجاهلهم الحدود الفاصلة بين اللغة المحكية واللغة المكتوبة حيث أن الانتشار الشفهي قد يكون الهدف المنشود من هذه النصوص الأمر الذي يفسر ندرة المخطوطات والنسخ لمحدثي الكتابة.

أصول تأريخ اليوميات في التاريخ العربي – الاسلامي

يذكر ان التاريخ الاسلامي استند على نوعين ادبيين رئيسيين : الأول التأريخ الحولي التقليدي (بدأ بكتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري)، ويعد سجلاً لاحداث الماضي المتعلقة بشؤون الدولة . والثاني قاموس التراجم (بدأ بكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد)، وهو مجموعة اخبار من الحياة اليومية لعلماء راحلين تصف مؤهلاتهم وانجازاتهم . كان الشكل الرئيسي للتقرير التاريخي في مطلع العهد الاسلامي يتكون من سلسلة من الاسناد (سلسلة ناقلي الأخبار) والمتن (النص) . ومع مرور الوقت ازداد طول الاسناد فأصبح غير عملي وبات على المؤرخ ان يكون ناقل معرفة مفوض من علماء سبقوه (الاجازة) .

تتحول الباحثة بعد ذلك الى الفترة الممتدة من القرن الثاني عشر الى القرن السادس عشر والتي تتميز بأنها فترة تغيير شهدتها تقاليد كتابة التاريخ. فلقد شهدت تحولاً في وعي المؤلف الذاتي ودوره مع الاهتمام بالاحداث المعاصرة، ويعود السبب الرئيسي لذلك وفقا للسجدي الى الصدمة التي أحدثها انقضاض الجيوش الصليبية والمغولية على بلاد شرق المتوسط فأحدثت وعياً جديداً. وتستشهد بعبارة كتبها عماد الدين الاصفهاني في افتتاحية سيرة قائده صلاح الدين الأيوبي جاء فيها :

“وأنا أرخت بهجرة ثانية. وهذه الهجرة هي هجرة الاسلام الى بيت المقدس وقائمها السلطان صلاح الدين وعلى عامها يحسن ان يبنى التاريخ وينسق. وهذه الهجرة أبقي الهجرتين. وبذلك اصبح المؤرخ شاهداً على العصر.”

كما تلحظ الباحثة التحول في نصوص كتب بعض مؤرخي القرنين السادس عشر والسابع عشر من حيث الجمع بين التراجم وسرد الأحداث وأشهرها تاريخ ابن طولون وحديثه عن معاناة العوام اكثر من الحديث عن العلماء. كذلك شهد النشاط الادبي في الولايات غير العربية والتي تتحدث التركية وجود اعمال ادبية عثمانية في القرن السابع عشر اطلق عليها السرد بصيغة المتكلم اشتملت على المذكرات، يوميات السفر، كتب الرؤى والمنامات.

 كل هذه التحولات أفضت الى أن التاريخ بات جزءاً من الثقافة العامة بلغتها العامية حيث صار يستهلكه العوام في المقاهي الى جانب الشيشة وفنجان القهوة.

*حلاق دمشق… محدثو الكتابة إبان العهد العثماني – القرن الثامن عشر – تأليف دانة السجدي/ ترجمة د. سرى خريس

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s