ماذا يجب ان نفعل لطرابلس اليوم؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر الحجار

شهدت مدينة طرابلس قبل إنشاء لبنان الكبير، ازدهارا الاقتصادي لافتا، وحركة تجارية حيوية انعكست في حجم التبادلات مع بيئتها الإقليمية. وفي تلك الحقبة اظهرت عاصمة الشمال ولاءً اعتبر “طبيعياً” لسوريا وبقي كذلك حتى بعد اندماجها في الأراضي اللبنانية عام 1920.

ومع سقوط الإمبراطورية العثمانية واقرار الانتداب الفرنسي على لبنان، كان للأخير الاثر الكبير على المدينة العروبية. وكان التأثير نفسيا كما كان سياسيا ودينيا، فالمنتدب غير مرحب به طالما انه ليس دولة عربية شقيقة يجمع بينها وبين اهل المدينة اللغة الواحدة والعقيدة الواحدة والمصير المشترك… ومنذ ذلك الوقت وهناك شعور عام أن اهل المدينة يعيشون في حالة دفاعية دائمة، يتحسسون من كل طرح يحاكي تاريخ وواقع ومستقبل طرابلس، التي مرت ومروا معها في تحولات هوياتية بالغة التأثير، من المد القومي والعروبي، الى الجماعات الاسلامية ومن ثم اللبننة بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005.

“الأمم التي لا تجد هويتها الوطنية محكوم عليها بأن تكون فريسة للأمم الأخرى”. هكذا عبّر أتاتورك عام 1923، متحدثا عن مستقبل تركيا  مابعد الحقبة العثمانية، ويكد هذا التعبير يسقط اسقاطا تاما على واقع لبنان بشكل عام  والفيحاء بشكل خاص.

فعندما حصل لبنان على استقلاله عن فرنسا في عام 1943، برزت مشكلة الهوية بشكل بارز لأول مرة. هل يجب على اللبنانيين أن يكونوا أقرب الى الفرنسيين أم يجب عليه التمسك بهوية عربية عمقها إسلامي؟ وتسبب السؤال في مزيد من الخلاف بين الذين يكافحون من أجل التمسك بالماضي بكل مافيه، وأولئك الذين كانوا يعتنقون الحداثة الفرنسية…الى ان كان الميثاق الذي قدم النقاشات الوطنية على ما عداها.

في هذه المرحلة كانت طرابلس مع التوجه العربي، ما جعلها تعيش أزمة الهوية الوطنية، ولانها كذلك ناصرت عطافيا وجماهيريا ولوجستيا معظم القضايا الوطنية والقومية، العادلة والأخلاقية، سيما القضية الفلسطينية.

  دعمت طرابلس كل هذه القضايا بدون أي تفكير في محاذير هذا الدعم، وبأغلب الأحيان بدون أي حسابات. والى جانب الانفعال العاطفي غاب مفهوم الدولة بمعظم الأحيان عن المدينة، سيرت المدينة أمورها بنفسها أيام الحرب الاهلية، وشكلت اللجان الشعبية والاجتماعية التي حلت مكان مؤسسات الدولة في تأمين المواد الغذائية واساسيات الحياة.

وفي مرحلة ما بعد اتفاق الطائف ومع إطلاق الجمهورية اللبنانية الثانية غابت الدولة مجددا عن المشهد التنموي للمدينة، كما حدثت عمليات إعادة تشكيل للحياة سياسية في طرابلس. وبمعارضة التدخل السوري تدريجياً، أعادت القيادة الوطنية تركيبهتا وفقاً للسياسة الوطنية حول مشروع إعادة الإعمار الذي حمله رفيق الحريري. فمن الطرابلسيين من دعم الحريري و منهم من ناصر زعامات تقليدية كعمر كرامي  الذي عارض الحريري. وعندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/ 2005، ونظراً للذنب السوري المزعوم، تمزق المجتمع االطرابلسي ومشهده السياسي إلى مجموعتين متعارضتين: تحالف 14 آذار المناهض لسوريا وتحالف 8 آذار الموالي لها.

و بسبب قرب  طرابلس الاجتماعي والجغرافي من المناطق الداخلية السورية. وبسبب التركيبة الدينية لطرابلس التي تشبه تركيبة البلدات السورية المجاورة، حيث تعيش الغالبية العظمى من السنة إلى جانب أقلية من العلويين الذين يسكنون قمة جبل محسن المطلة على بقية المدينة. ولان الخلافات السياسية بين الطائفتين قديمة العهد، حيث  أن معظم العلويين يُنظر إليهم على أنهم من داعمي النظام السوري، الذي يعرب العديد من السنة عن معارضتهم الشديدة له، دفعت المدينة إلى حافة النزاعات بين 2008 و 2013، وخاصة مع بدء الثورة السورية، حيث باتت طرابلس أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الصراع السوري.

 وقد اكتسب كل من النظام في دمشق والمتمردين موطئ قدم في المدينة من خلال وكلاء محليين. فالعنف في الشوارع أخذ في الازدياد، والطائفية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وازدهر التطرف الديني. وقد أكسبت هذه التطورات طرابلس لقب غير مستحق ألا و هو “قندهار لبنان”، إشارة إلى مرتع تمرد طالبان في أفغانستان.

منذ تشرين الأول الماضي، حملت الثورة الأمل في التغيير ووضعت مطالب الناس في مركز الصدارة. وفي ذروتها، نزل مئات الالاف إلى الشوارع مطالبين برحيل الطبقة الحاكمة، وإنهاء الفساد المستشري، وتحسين الظروف المعيشية. المدينة التي أصبحت ترمز إلى الانتفاضة لم تكن بيروت، بل طرابلس التي سميت “عروس الثورة”.

واليوم بسبب الاحباط تشهد طرابلس حالياً تحدي قديم جديد يخص معنى الهوية الشخصية والسياسية ودورها. تبحث طرابلس اليوم عن من يحميها فكريا ومعنويا مجددا. فغياب الفكر و وتسيد العاطفة الانفعالية، يجعلان الخوف من تكرار اخطاء الماضي هاجسا لدى الكثيرين.

 فتاريخ المدينة يعلمنا أن التوترات المتصاعدة الناجمة عن أزمة الهوية يشعل نيران الخوف المستمر من السلطة (العائلية والدينية والسياسية). وهي مسؤولة أيضا عن انتشار العنف والصراع، وعدم الإنتاجية والفوضى.

التحدي الأساسي اليوم هو شعور الطرابلسيين بتخلي الدولة اللبنانية مجددا عنهم ونبذ أسس الهوية اللبنانية. غالبا مشاعر كتلك تؤدي الى استبدال مؤسسات الدولة بحركات سياسية أو دينية تعمل على توفير الخدمات الاجتماعية مباشرة ومحاولة حضن الفئات الفقيرة، تعزز هذه الحركات سيطرتها على الأراضي والناس بشكل فعال، وتقدم نفسها على أنها حماة الرفاه الاجتماعي وضامنة له. وينطوي الرفاه الاجتماعي على تبادل مادي واضح يتلقى فيه المستفيد المساعدة لتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرته. وبهذه الطريقة، تمارس الجماعات الجديدة سيطرتها على الهوية وبالتالي على الحياة الاجتماعية والسياسية في المدينة…وهذا أمر يحتاج الى كثير الاهتمام والعناية، خاصة في ظل الانهيار الكبيرالمقبلين عليه وطنيا…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s