“سجين في قصره”… تفاصيل مثيرة عن أيام صدام حسين الأخيرة وعلاقتة بحراسه الأميركيين؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي- سامر زريق

يعتبر كتاب الضابط في الجيش الأميركي ويل باردينوربر “سجين في قصره…حراسه الأميركيين وما لم يسجله التاريخ”، الصادر بالانكليزية عام 2017 والمترجم عبر بسام شيحا للدار العربية للعلوم – ناشرون عام 2019، من أهم الكتب وابرزها التي تصدت لحياة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. الكتاب الذي يروي في طيات فصوله طبيعة حياة صدام في معتقله وعلاقته مع حراسه ونظرته لاميركا وايران، يروي فيه الكاتب قصصا لم تذكر من قبل عن الأيام الأخيرة لصدام قبل اعدامه.

يتألف الكتاب من ثلاثة اجزاء وسبعة وثلاثين فصلاً. يتحدث الكتاب عن الجوانب الانسانية في حياة صدام حسين في زنزانته كما لاحظها ورواها الفريق المكلف بحراسته، والمكون من اثنا عشر شخصاً من الشرطة العسكرية الأميركية يطلق عليهم لقب “السوبر اثنا عشر” مع مترجم أميركي لبناني.

 بدأت مهمتهم في آب 2006 واستمرت لغاية اعدام صدام في 30 كانون أول 2006 . يعرج الكتاب على بعض المحطات الفاصلة في حياة صدام حسين. مولده، نشأته في بيئة قبلية قاسية، تصفية خصومه اثناء اجتماع حزب البعث الشهير في بدايات حكمه، حادثة انشقاق صهريه واصداره الأمر بقتلهما، اعتقاله من قبل القوات الأميركية، وشهادة قائد الحرس الجمهوري العراقي السابق الفريق الركن رعد الحمداني حول بعض الاحداث الهامة التي شهدها .

البداية وتأثير صدام

وهؤلاء وفقا للكاتب انتسبوا الى الجيش الاميركي عقب هجمات ايلول/ سبتمبر 2001 والشعور الوطني الذي اجتاح البلاد. جميعهم في العقد الثاني من العمر باستثناء واحد فقط في منتصف العقد الثالث. كلفوا في صيف العام 2006 بحماية الرئيس العراقي المعتقل صدام حسين، وكان محظور عليهم كتابة مذكرات حول تجاربهم كما أن مراسلاتهم عبر البريد الالكتروني كانت مراقبة.

تفاصيل داخل السجن

في القصر الذي اعتقل فيه صدام، الذي لقب من فريق الحراسة بالـ”الصخرة”، أقام ابو عدي علاقة ودية مع سجانيه والمكلفين بمراقبته، والطبيب والممرض اللذين كانا يتولان معالجته، الى درجة أنه كتب نص نثري قصير من أجل زوجة الممرض. ويروي الممرض أنه حينما تم ابلاغه باحتضار أخيه وباضطراره للعودة الى الوطن، قام بزيارة صدام في الزنزانة لابلاغه بمغادرته وعندما أخبره عن السبب قام صدام وعانقه ثم قال ” سأكون أخاك ” .

ومع مرور الوقت قامت علاقة صداقة بينه وبين السوبر 12 حيث كان يسألهم باستمرار عن أحوالهم وعن عائلاتهم واطفالهم اثناء جلوسهم معه في الاستراحة الخاصة به. وكان أحياناً يصرح لهم عن رغبته في الزواج من جديد عقب خروجه من سجنه. كما أنه روى في احدى المرات كيف غضب من ابنه عدي بسبب اطلاقه النار على اخ صدام غير الشقيق واصابته في قدميه وكيف عاقبه صدام بحرق مجموعة من سيارات ابنه الباهظة الثمن برش البنزين والجلوس بعد ذلك ومشاهدة النيران تلتهم السيارات وهو يدخن السيجار بهدوء شديد. يقول احد الحراس ان صدام استدعاه ذات مرة ليخبره وعيناه تلتمعان فخراً بأنه تلقي رسالة من ابنته رغد تستعلم فيها عن أحواله. كان شديد الفخر برغد كما كان يقول بأن كل ابنة أميرة .

الوجه الآخر

ويروي أعضاء فريق ” السوبر 12 ” أن صدام كان يستمد سعادة هائلة من متع بسيطة مثل شرب الشاي الساخن بالسكر والعسل وتدخين سيجار الكوهيبا والاستماع على الراديو الذي فضله على التلفاز وقارئ الأقراص المدمجة (DVD) . كان مهووساً بالنظافة لديه عبائتين يغسلهما بنفسه ويجففهما تحت الشمس في منطقة الاستراحة وينظف زنزاته بنفسه كل يوم بعض الظهر. وكان يتحاشى لمس مقابض الأبواب بيده بل يطلب ذلك من حراسه. كما كان يطلب المحارم المعطرة ولديه كراسة قديمة صفراء اللون فيها اوراق يكتب عليها يومياً .

وكان يعتني بأعشابه كما يفعل الاب المحب لاولاده ويوفر فتات الخبز من وجباته كي يقدمها الى الطيور العابرة التي كان يحييها بحماس . كان يسأل احياناً عن سير المهمة الأميركية في العراق. وفي مرة قام برحلة في ذاكرته متحدثاً عن علاقته مع أميركا في عهد ريغان ثم قام برسم حركة انزلاق في الهواء للتشديد على تحول العلاقة ثم قال “سوف يتمنون لو أنهم أرجعوني ” .

العداء لايران

كما لاحظ الفريق الكره العميق الذي يكنه صدام للنظام الايراني والذي يبدو جلياً على وجهه وحركاته عندما يشاهد صورة لمسؤول ايراني او تصريح او مقال صحافي.

الشخصية المتناقضة

يروي أحد أعضاء السوبر 12 أن صدام المولع بالسيجار كان يمتنع عن التدخين اثناء عملية نقله من محبسه الى المحكمة احتراماً لحراسه الذين يتضايقون من التدخين. حسن خلق كان يتسم بالتناقض مع شخص مثل صدام كان يصدر حكم الاعدام على شخصيات عديدة مهما كان قربها منه دون أن يرف له جفن. كان شديد الحرص على مظهره وعندما كان يستعد للدخول الى قاعة المحكمة كان يتفقد هندامه على مهل ويحرص أشد الحرص على أن يبدو بهيئة لائقة. كان يدرك أنه عندما يدخل الى قاعة المحكمة فهو يدخل ميدان المسرح العالمي لتطغى عليه شخصية الاستعراضي الهائج الجاذبة للعالم والتي كانت تتبدد فور خروجه من المحكمة.

الماهر والاجتماعي والأديب

يقول أحد أعضاء السوبر 12 انه بينما كان يلعب الشطرنج مع زميل له في الفريق، تقدم صدام وكان يراقب اللعبة ثم طلب أن يلعب معه وهزمه مرتين ويصف ذلك بأن صدام “كأنه كان يلعب مع طفل رغم أنني كنت امارس اللعبة منذ سنوات “.

 حارس آخر من الفريق ظهر بين رفاقه الحراس مرتدياً احدى بدلات صدام الرسمية وقال لهم بفخر وسعادة ان صدام أهداه اياها، ورغم أن البدلة كانت كبيرة عليه قليلا فانه كان شديد الاعتزاز بها.

يجمع فريق السوبر 12 بأن صدام لم يتحدث ابداً بصورة سيئة عن الجيش الأميركي فهو يعتبرهم أنهم يؤدون واجبهم اما بالنسبة للرئيس الأميركي بوش ووزير الدفاع رامسفيلد والمسؤولين العراقيين الذين يعتبرهم عملاء ودمى، فلم يكن يكنُّ لهم سوى الاحتقار.

كما قدم للمترجم اللبناني الأميركي هدية هي رواية “زبيبة والملك” ويقول بأنها من تأليفه وطلب منه وعدا بقرائتها فقد كان صدام في آخر سنين حكمه مولعاً بالتاريخ والفن والثقافة وحسب شهادات بعض المسؤولين في حقبة حكمه انه كان منفصلاً عن الادارة اليومية للبلاد الى درجة أنه في الازمات كانوا يحتاجون احياناً الى ثلاثة أيام للوصول اليه.

 قال علي الكيماوي للمحققين عن صدام بأن “له وجهين أحدهما لرجل يقوم بخطوات استثنائية لمساعدة المحتاجين واحياناً كان يبكي عندما يتوقف لمساعدة رجل فقير، والآخر لرجل وحيد بلا أصدقاء لم يكن يثق حتى في ابنائه وكان متوحشاً لدرجة لا يمكن تخيلها”.

 ويتحدث الفريق الركن رعد الحمداني عن جانب من شخصية صدام لم يتم التطرق اليه كثيراً. فقد كان يستدعي الشعراء والفنانين العراقيين الى مجلسه ويطلعونه على آخر أعمالهم ومن بعدها كان يغادر المجلس وينفرد بنفسه ويعكف على محاولة تأليف أعمال أدبية خاصة به منها زبيبة والملك.

ويتحدث الكاتب عن اضراب صدام عن الطعام لفترة اثناء المحاكمة اعتراضاً منه على اغتيال محامين من فريق الدفاع عنه مما ادى الى نقص واضح في وزنه الأمر الذي أقلق الدوائر الأميريكة الحريصة على صحته وبقائه سليماً طيلة فترة المحاكمة، ما دفعهم الى البحث عن شخص يقنعه بفك اضرابه، فوجدوا ضالتهم بضابط عراقي مسن ومحترم من القضاء العسكري. وافق الضابط على المهمة وتحدث مع صدام عبر الفيديو حيث قال ” سيدي الرئيس نحن قلقون جداً على صحتك ونحثك على تناول الطعام اياً كان رأيك في المحاكمة. ثم أنه يجب عليك سماع كلامي لأني اكبر سناً منك “. عندها انفجر صدام من الضحك وقال بأنه سيأكل.

التحول

كان فريق السوبر 12 يسعدون بارضاء صدام الى درجة أنهم قاموا بتحويل غرفة صغيرة فارغة بين زنزانته والاستراحة الى مكتب له. فقاموا بتنظيفها وازالة الأشياء التي كانت فيها واحضروا مكتباً وكرسياً جلدياً ووضعوا علماً عراقياً خلف المكتب. وذلك لكون صدام لطيفاً معهم وقليل الطلبات كما أنه كان يعاملهم باحترام شديد وكونهم مجندين من الطبقات الدنيا كانوا يقدرون معاملة رئيس سابق لهم باحترام لم يجدوه من رؤسائهم الضباط. كما كانوا معجبين برباطة جأشه في مواجهة المحكمة والحكم الصادر عنها باعدامه حيث قال احد أعضاء الفريق فور خروجه من قاعة المحكمة بعد تلاوة الحكم والاستنكار البليغ الذي قام به في القاعة ” انها مشيئة الله. انا جندي وما يريد الله يفعله “.

الليلة الأخيرة

ويتطرق الكاتب الى ليلة 30 كانون الأول 2006، الليلة الأخيرة لصدام قبل تنفيذ حكم الاعدام فجراً بعد رفض المحكمة استئناف الدفاع بسرعة قياسية. كان فريق السوبر 12 يشعرون بالاكتئاب. قام أحدهم بتعطيل جهاز الراديو لكي لا يعلم صدام بالنبأ. في الثالثة فجراً حضر المترجم وملازم في الجيش الاميركي لابلاغه الخبر وطلب منه الاستعداد. يقول المترجم بأن نقل الخبر كان أصعب لحظة في حياته كلها بسبب ما اعتبره “الصداقة” التي نشأت بينه وبين صدام.

 بعد ابلاغه قام صدام وطلب الاستحمام والوضوء وقام بالاستعداد بعناية لظهوره الأخير على مسرح العالم. أهدى احد اعضاء فريق السوبر 12 ساعته ريموند ويل الباهظة الثمن، وعندما تردد الحارس بسبب اللوائح القانونية للجيش الأميركي، وضع صدام الساعة في معصم الحارس بنفسه، هذا الحارس الذي سيقرر ترك الجيش في اليوم الذي أعدم فيه صدام من هول ما حصل بعد تنفيذ الاعدام، وعندما خرج من زنزانته صافح فريق السوبر 12 واحداً واحداً وعانقهم وخصهم بكلمات وداعية خاصة. وقد لاحظ بعض أعضاء الفريق الدموع تنساب من عينيه كما أن بعض الجنود اغرورقت أعينهم بالدموع. وكانت آخر كلماته لهم ” ليكن الله معكم ” .

شجاعة مواجهة الموت

عند دخول صدام الى غرفة الاعدام كانت طريقة مشيته ووقفته مثيرتان للدهشة لما أظهره من صلابة في شخصيته كما كان أيام شبابه، رافضا تغطية رأسه أثناء تنفيذ حكم الاعدام. ووفق ما يروي قائد الحرس الجمهوري السابق رعد الحمداني بأن صدام كان دائماً يوصي مرؤوسيه بالثبات في المشهد الأخير مهما كانت النتيجة، وهو ما تحلى به صدام في مشهده الأخير.

الحقد والتشفي

وقف أعضاء فريق السوبر 12 بصمت بينما كان جسد صدام ينقل ليوضع في عربة همفي. لكن قبل تحميل الجثمان شكل حشد من العراقيين المسعورين صفاً حولها وراحوا يرقصون بهياج ويركلونها ويبصقون عليها وتوافق ذلك مع اطلاق النار بكثافة. كان السوبر 12 في ذهول مما يرون ومن الأمر الذي أعطي لهم بعدم التدخل. نقلت مروحية جثمان صدام الى مقر رئاسة الوزراء ليلقي نوري المالكي نظرة تشفي عليه كما لو أنه صيداً تذكارياً من رحلة صيد. ومن بعدها نقل الجثمان الى تكريت وسلم الى عشيرته ليدفن الى جوار والديه ( قبل أن ينقل الجثمان ويدفن في مكان سري خشية عبث الحاقدين) .

الشيعة ودورهم في تسريع محاكمة صدام

ويشير الكاتب عدة مرات في ثنايا الكتاب عن دور الشيعة في تسريع المحاكمة والتأثير على القضاة وسير عمل المحكمة ورفض استئناف الحكم بسرعة كبيرة واطلاق الرصاص ابتهاجاً بحكم الاعدام في المناطق الشيعية وتعمدهم اختيار يوم عيد الاضحى لتنفيذ الحكم، مع رفض طلب صدام الوحيد الذي ألحَّ عليه ألا وهو الاعدام رمياً بالرصاص لأنه عسكري، لكن كل ذلك ما كان ليحدث لولا موافقة ودعم الادارة الأميركية .

الأثر النفسي

في نهاية الكتاب يعرض الكاتب لمحة عن كل واحد من أعضاء فريق ” السوبر 12 ” بعد عودتهم الى أرض الوطن ومعاناتهم النفسية التي خلفتها مهمة حماية صدام حسين، وتأثير صدام عليهم الى درجة تعرض عددمنهم الى صدمات نفسية احتاجوا فيها الى متابعة أخصائي نفسي.

 فلقد ترك صدام حسين فيهم أثراً لم تمحوه تعاقب السنوات حيث لا يزالون يذكرونه حتى اليوم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s