“حروب الظل” .. الادوار الخفية للـ “سي أي أي”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر زريق

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر / أيلول 2001 لاحقت اميركا اعداءها في “حرب ظل” تم خوضها عبر العالم، واستخدمت فيها قوات العمليات الخاصة وأنفقت مالا كثيرا لانشاء شبكات تجسس خفية واعتمدت على ديكتاتوريين متقلبين وعلى اجهزة استخبارات اجنبية وعلى جيوش غير منظمة عملت بالوكالة في المناطق التي لا تستطيع الولايات المتحدة ارسال قوات برية اليها .

امتدت الحرب عبر قارات متعددة من جبال باكستان الى صحاري اليمن وشمال افريقيا، ومن الحروب القبلية الجياشة في الصومال الى ادغال الفيليبين. وقد وضع اسس هذه الحرب السرية رئيس جمهوري محافظ واعتنقها ديموقراطي ليبرالي، لكن هذه الحرب اسهمت في خلق الاعداء بقدر ما قلصت منهم، وساهم هذا النهج في عدم الاستقرار في بعض البلدان، وحوّل الرئيس الاميركي الى الحكم النهائي في شأن حياة او موت شعب معين في ارض بعيدة . حظي هذا النوع من الحرب بنجاحات عديدة في طليعتها قتل اسامة بن لادن .

في “حروب الظل” يتحدث الصحافي مارك مازيتي (مراسل الامن القومي في صحيفة نيويورك تايمز) عن أدوار ووظائف وكالة الاستخبارات الاميركية “السي اي اي”، وتحولها بعد الحادي عشر من ايلول 2001 الى آلة قتل سرية دولية. الكتاب ترجمة انطوان باسيل وصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.

تلميع صورة الوكالة

 يتضمن الكتاب مقدمة وستة عشر فصلاً وخاتمة .يبدأ الكتاب بتوقيع الرئيس جورج دبليو بوش امراً سريا يمنح فيه “السي اي اي” سلطة استهداف الارهابيين وتنفيذ اغتيالات في العالم، وهذا التكليف ساهم في تلميع صورة الوكالة بوصفها حيوية ومتجاوبة مع الرئيس بعكس البنتاغون المتثاقل والبيروقراطي .

ويعرض الكاتب في بداية الفصل الاول تحول مدير “السي اي اي” الى قائد عسكري يدير حرباً عالمية خفية بواسطة فريق قليل العدد تحت اشراف مباشر من الرئيس الاميركي بوش ونائبه ديك تشيني ومجموعة صغيرة في البيت الابيض على القرارات المتعلقة بمن يجب ان يقتل ومن يجب ان يعتقل ومن يجب ان يترك وشأنه . ويركز على طلب الرئيس بوش من مدير “السي اي اي” ان يحضر كل يوم الى المكتب البيضاوي بدلاً من المحلل العادي للمشاركة في الموجز الرئاسي وهي المرة الاولى منذ تأسيس الوكالة.

الصراع الخفي

ثم يقدم الكاتب عرضا سريعا لدور الوكالة منذ تاسيسها عام 1947 وتكليف الرؤساء المتعاقبين لها بادوار خفية مما حولها الى ذراع عسكري سري للرئيس لانها مسؤولة مباشرة امامه ويمكنها تنفيذ اوامره بسرعة اكبر من الجيش. من هذه القرارات، قرار الرئيس ريغان تكليف الوكالة تأسيس فريق من القتلة المحليين في لبنان لمطاردة وقتل الارهابيين بعد التفجيرات التي حدثت في بيروت وذهب ضحيتها عدد كبير من المارينز وضباط الوكالة. لكن المعارضة الشديدة لهذا القرار من الوكالة ومن وزارة الخارجية جعلت الرئيس ريغان يتراجع عنه. وقدشهد عقد الثمانينات انشاء مركز مكافحة الارهاب في الوكالة والذي سيكون له دور كبير بعد هجمات ايلول .

ثم يتطرق الكاتب الى الصراع الخفي بين “السي اي اي” والبنتاغون ورغبة وزير الدفاع انذاك دونالد رامسفيلد في لجم “الوكالة” وقيادة “حرب الظل الاميركية” عبر تنظم سري يتألف من عناصر قوة “دلتا” العسكرية والفريق السادس في القوات البحرية الخاصة ويسمى القيادة المشتركة للعمليات الخاصة لكنه صدم بافتقارها الى المعلومات.

 ثم يعرض  الكاتب عمليات اعتقال وقتل الوكالة لعدد من المطلوبين في العديد من الدول سيما في اليمن، واعتقال وزير داخلية طالبان الملا خير الله خيرخوا حيث قامت السي اي اي بتضليل القوات الخاصة اثناء عملية المطاردة لانها كانت تتفاوض مع خيرخوا لتجنيده وسهلت عملية فراره الى باكستان وعندما فشلت عملية التجنيد مررت الى الاستخبارات الباكستانية مكان اقامته لاعتقاله  واحداث ضجة اعلامية تستفيد منها باكستان في تحسين موقفها امام الادارة الاميركية وكل هذا دون علم البنتاغون..

طائرة البرادياتور

كما يتحدث الكاتب بعد ذلك عن النقاشات الساخنة التي دارت في اروقة البيت الابيض والسي اي اي حول طريقة التخلص من “اسامة بن لادن” بعد تفجير السفارتين الاميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998 وتفجير المدمرة “يو اس كول” عام 2000،  بداية من وضع غواصتين في بحر العرب يمكنهما اطلاق صواريخ توماهوك على افغانستان لكنه كان عديم الفائدة الى تصميم مناطيد صغيرة لالتقاط الصور واطلاقها فوق افغانستان على علو ثلاثين الف قدم او وضع تلسكوب عملاق على قمة احد الجبال لتعقب بن لادن. الى ان تم في النهاية التوصل الى حل اكثر واقعية هو استخدام طائرة من دون طيار (ام.كيو.برادياتور) التي تم استخدمها للتجسس في حرب البلقان .

العاب الكترونية للتجسس على العرب

ويعرّج مازيتي على الحرب النفسية والدعاية السوداء والتي كان يخصص لها ميزانيات ضخمة اثناء الحرب الباردة وحرب فييتنام وكانت تتخذ اشكالا متعددة من رش المال الى وضع صحافيين اجانب على جداول الرواتب الى التأثير في الانتخابات الى انشاء محطات اذاعية، وكيف انه مع دخول عصر العولمة والانترنت تم تخفيض ميزانية الدعاية بشكل كبير لكن بعد هجمات ايلول 2001 والحرب على الارهاب، قام البنتاغون بمحاولة انشاء تلفزيون وشبكات اعلام في العراق بميزانية ضخمة لتشكيل ثقل مواز للشبكات العربية المعارضة لنهج الادارة الاميركية، ورغم انفاق حوالي ثمانين مليون دولار فشل المشروع وكان قريبا من الانهيار.

لذلك تعاقد البنتاغون عام 2006 مع شركة تشيكية مغمورة عبر احد الضباط المتقاعدين لتطوير العاب فيديو يمكن للناس في الشرق الاوسط تحميلها على هواتفهم النقالة. كان الاهتمام بابتكار الالعاب يهدف إلى  التأثير في مفاهيم المستخدم عن اميركا وايضا جمع المعلومات عن الذين يستخدمون هذه الالعاب، وشكل ذلك منجم ذهب استخباراتيا عبر تخزين هذه المعطيات في قاعدة بيانات الجيش وتحليلها عبر خوادم خاصة تقوم بالروابط التي يعجز عنها المحللون البشريون. ويبرر مازيتي ان الهدف من التعاقد مع شركة تشيكية وليس شركة اميركية ابقاء الدور الاميركي خفيا لضمان احداث التأثير في الرأي العام الاسلامي والهرب من القوانين الاميركية وتسريبات الصحافة.

اوباما والوكالة تعاون وثيق

تزامن وصول الرئيس الاميركي باراك اوباما الى البيت الابيض مع عمليات للقاعدة في شبه الجزيرة. وكانت استراتيجية الرئيس الجديد استمرار الحرب السرية عبر السي اي اي والقيادة المشتركة للعمليات الخاصة عوضا عن الحملات العسكرية الكبرى التي تسقط انظمة وحكومات وتشجع التطرف الاسلامي كما ان هذه الحملات ارهقت الخزانة الاميركية والجمهور الاميركي. وقد عبّر عن هذه الاستراتيجية مستشار الامن القومي للرئيس بالقول انها حرب “المبضع عوضا عن المطرقة” .

الطبيب الذي كشف بن لادن

ويعرض مازيتي كيف قامت “السي اي اي” بتجنيد طبيب باكستاني عام 2009 للقيام بحملات تلقيح في مختلف الاقاليم الباكستانية، ونجاح العملية على اكثر من مستوى، حيث تمت عملية التجنيد عبر استخدام المنظمة الانسانية، فأنقذوا الاطفال، سيقوم الطبيب في خلال السنتين التاليتين بعدد من الحملات الصحية العامة الخادعة لجمع الاستخبارات عن نشاط المجاهدين في المناطق القبلية.

 اعتبرت حملات التلقيح واجهة جيدة للتجسس بحيث يمكن جمع معلومات الحمض النووي من الحقن المستخدمة في التلقيح وتحليلها بحثا عن ادلة ترشد السي اي اي الى عناصر القاعدة والتي تملك معلومات عن حمضهم النووي. بعد محاولات حثيثة خلال سنوات للوصول الى مصادر تمكن السي اي اي من تحديد مكان اقامة بن لادن. حصلت على معلومة عن شخص يدعى ابو احمد الكويتي وانه يعمل ساعيا لدى بن لادن فهو يوصل الاخبار والتعليمات من بن لادن الى باقي قيادات التنظيم. لم تفلح الوكالة في الوصول الى الكويتي قبل سنة 2010 حيث حصلت على اسمه الاصلي الكامل ورقم هاتفه وقامت بتتبعه دون ابلاغ الباكستانيين حيث رصدته يتردد الى مجمع سكني في مدينة بوت اباد. لم تستطع الحصول على اية معلومات عن قاطني المجمع رغم انها استخدمت الاقمار الصناعية وطائرات التجسس بل انها استاجرت منزلا بالقرب من المجمع للمراقبة دون فائدة .

كلفت السي اي اي الطبيب القيام بحملة تلقيح ضد التهاب الكبد ب الذي يصيب النساء بين الخامسة عشر والخامسة والاربعين، وامرته بأن يبدأ الحملة في مدينتي كشمير باغ ومظفر اباد وفي منطقة خيبر باخنونكوا مركزا على بوت اباد وان الحملة يجب ان تستغرق ستة اشهر وتجرى على ثلاثة مراحل وبذلك يستطيع التحرك بسهولة دون اثارة الشبهات. بعد مرور شهر على الحملة طلب منه التركيز على منطقة بلال تاون حيث يوجد المجمع. قام باجراء حملة التلقيح لكن الاناس الوحيدين الذين رفضوا التلقيح هم ساكنو المجمع المذكور .

عندئذ اتخذ الرئيس اوباما القرار بارسال اربع طائرات هليكوبتر اميركية من افغانستان الى المجمع المذكور عوضا عن قصفه على متنها عناصر من القيادة المشتركة للعمليات الخاصة قاموا باقتحام المجمع وعند دخولهم الى المبنى لمحوا بن لادن في اعلى الطبقة الثالثة فاطلقوا عليه النار سريعا واردوه قتيلا، بعدها قاموا باعتقال كل الموجودين واخذهم مع جثة بن لادن مع عدد كبير من الاقراص الثابتة والهواتف الخلوية والفلاشات في رحلة العودة في عملية استغرقت اربعين دقيقة وبادارة مباشرة من مدير السي اي اي .

الخاتمة

 ساهمت هجمات ايلول 2011 في تحول السي اي اي  من جهاز تجسس يكرس عمله لسرقة اسرار الحكومات الى فرقة اعدام ميداني. ورغم تغني الولايات المتحدة دائما بالديموقراطية المتجذرة لديها ومطالبتها الدول المصنفة متخلفة وعالما ثالثا على اتباع نهجها الديموقراطي، الا أننا رأينا في ثنايا الكتاب كيف ان وكالة السي اي اي تتلاعب بالقوانين الاميركية وتستغل نقاط الغموض فيها لممارسة اعمالها السرية وكيف انها لا تتورع عن استغلال الكوارث الانسانية ومنظمات الاغاثة لتنفيذ مخططاتها الخبيثة. ورغم كل عمليات القتل والتخلص من الارهابيين التي قامت بها السي اي اي في حرب الظل لم تتمكن من القضاء على الارهاب بل بالعكس تعاونت مع العديد من المنظمات التي صنفتها الحكومة الاميركية بأنها ارهابية. فبعد عدة سنوات على صدور هذا الكتاب، تعود الولايات المتحدة الى نقطة البداية في الحرب على الارهاب وهي افغانستان لكي تبرم اتفاقا مع حركة طالبان في اعتراف منها بفشل الحرب رغم كل الدماء والاموال التي اهدرت ..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s