العنصرية… وأفول النجم الاميركي؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طلال الدهيبي

لا تعد ظاهرة العنصرية حديثة العهد في تأثيرها بين البشر، فهي من عمر الإنسان نفسه، ومن الممكن أن تكون على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو اللغة وغيرها من المكونات الثقافية للجماعات البشرية.

 وإذا أردنا أن نقارب وضع الولايات المتحدة الأميريكية، الدولة الكبرى والأحدث في العالم، لوجدنا أنها شهدت هجرة عظيمة بعد الثورة الصناعية واكتشاف أجزاء كبيرة منها، وتركزت الهجرات من كافة الدول الأوروبية وخاصة من الإنجيليين الذين هربوا من الاضهاد الديني، إضافة لغير الإنجيليين من ايطاليين وإيرلنديين .

وقد احتاج هؤلاء المهاجرون الأوروبيون ليد عاملة في مزارعهم فاستقدموا أبناء البشرة السوداء، الذين لم يكونوا سكان الدرجة الثانية بل ربما منعدمي الدرجة، جاء هذا الإجراء بالتوازي مع القضاء على قبائل الهنود الذين كانوا يقطنون أرجاء واسعة في أميركا الشمالية والجنوبية.

ومن المعلوم أن أحد أهم أسباب الحرب الأهلية الأميريكية التي وقعت بين ولايات الشمال وولايات الجنوب الزراعية، هو الخلاف على قوانين إلغاء العبودية، ومع انتصار الشمال وإلغاء الرقيق انتقم مؤيدو العبودية باغتيال الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميريكية أبراهام لينكولن، وهو أول الرؤساء الذين قضوا بالاغتيال ومن بعده جون كينيدي.

وحتى مع انتصار رافضي العبودية إلا أن المجتمع الأميريكي لم يشهد تجانسا بين الأعراق، فظهر لدينا فرز واضح في الانتشار البشري على الخارطة الأميريكية ما زال باقياﹰ حتى يومنا، فـ”بنسلفانيا” يسكنها الألمان و”بوسطن” للإيرلنديين والجنوب الأميريكي في “تكساس” و”نيومكسيكو” يسكنه المكسيكيون بشكل كبير. وإذا نظرنا للمدن الكبيرة لوجدنا أن كل جنسية تتخذ أحياناﹰ حياﹰ مستقلاﹰ لسكنها يعرف بالغيتو،  فنسمع بـ”ليتل هاييتي” للمهاجرين من هاييتي، وبـ”حي ليتل هافانا” الذي يضم مهاجرين كوبيين، يتحدثون بلغاتهم الأم ويمارسون عاداتهم التي جاؤوا بها .

كل هذا أفرز  انقساماﹰ أفقياﹰ بين طبقات عليا من العرق الأبيض الأوروبي وطبقات دنيا من باقي الأعراق، ودخلت الهيمنة كافة المناحي الحياتية وصارت تحمل بعداﹰ إيديولوجياﹰ، فالأبيض يرى نفسه “المتفوق” ويعاني الأسود واللاتيني بشكل خاص من المظلومية.

 كل هذا ساهم بانفجار الاحتجاجات بين الشرطة والطبقات الفقيرة، وتجلى هذا على الدوام مع ظهور منظّرين سود نادوا بالحقوق والمساواة لذوي البشرة السوداء، وعلى رأسهم مارتن “لوثر كينج” و”مالكولم إكس”.

واليوم ومع ما حدث من اضطرابات نتيجة قتل أحد الشباب السود على يد رجال الشرطة الأميريكية، والتي لا تعد الحالة الأولى من العنف المفرط تجاه السود، وما تلا هذا الحدث من مظاهرات وأعمال عنف ونهب، نلتفت إلى العديد من القضايا الجوهرية التي تعصف بالمجتمع الأميريكي. أولها أن السود لا يتمتعون بنفس ظروف حياة البيض لا من ناحية الخدمات الصحية والتربوية ولا من ناحية مستوى الأجور، وحتى مع وصول بعض العائلات من العرق الأسود لتكوين الثروة، إلا أن هذا لا يمنع بعض الفئات من النظر إليهم بازدراء.

 ثاني القضايا أن هناك شرائح كبيرة من الشعب الأميريكي ومن غير السود يتعاطفون مع قضية التمييز العنصري، ومن المعلوم أن التمييز ليس عرقياﹰ فقط في المجتمع الأميريكي بل يتخذ كافة أشكاله، ونلحظ أيضاﹰ تعاطف الرئيس الأميريكي السابق باراك أوباما مع الاحتجاجات، حيث صرح للعديد من وسائل الإعلام عن تأييده لهذه الحركة الاحتجاجية، ولا ندري إذا كانت خطوته من باب التعاطف أو من باب تحقيق مكاسب سياسية للحزب الديموقراطي عشية الانتخابات الرئسية الأميريكية.

 مع كل ما سبقناه نجد أن الكيان الأميريكي، وإن كان قديم العهد بهذه الحوادث، إلا أنه بات في ظل الأزمات الدولية الاقتصادية والاجتماعية غير محصن كما عرفناه على الدوام، مما يرشح تفاقم النزاع وخلق سيناريوهات مستقبلية تهدد الوحدة، فهل نشهد أفول النجم الأميريكي عما قريب ؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s