الكاتب “كائن طفيليّ”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – هدى بيّاسي

قيل:” صحيح لا يمكن لمس العقل ولا شمه ولا رؤيته لكن حين يفقده أحدهم فانه يبدو واضحا جدا”. وأكثر الذين يفقدون عقلهم هم الكتّاب لأنهم يستعيضون عنه بقلبهم. هؤلاء يفكرون بعاطفتهم لأنّ العاطفة جنون مطلق والجنون وحده قادر على الانفتاح والكشف.

نحن لا نحتاج إلى النضوج لكي نكتب، نحتاج إلى الألم الى الحلم، وأحيانا إلى الوهم. نحتاج إلى الحبّ حيث القلب هو سيد الموقف لا العقل. نحتاج أن نكون أكثر إنسانية وأكثر نبلا.

ليست الكتابة مهنة أو هواية، إنها ذلك الشيطان الشقيّ الذي يحرّك أنامل الفرح تارة ويرسم بريشة الحزن طورا.. ولطالما يقع الكاتب تحت تأثيرها طوعا لأنّه يعرف أنّه إذا ما تملّكته الرغبة بالكتابة فإنّه سيغدو مشلول الفكر عن سواها. لكن للكتابة ضريبتها، لأنّ كلّ كاتب هو مشروع وحدة غير قابل للتأجيل فالكاتب ببساطة هو كائن طفيليّ ينمو على جسد اللغة، هو من الناس غير المهتمين بالحياة الاجتماعية وتعقيداتها ، ربما لأنّ عالمه أقلّ فظاظة وأكثر رحمة. أو ربما وهو الجائع للحبّ يجد ضالته في مَداه ومِداده. الحبّ عنده هو اللغة فإن ماتت اللغة مات الحب.

 لذا كثيرا ما يُتّهم الكاتب بالشخصية التي يكتبها، لأنّه بارع في الخلق على الورق. بدهاءٍ يتلبّس بمن يكتب، حتى يلتبس على من يقرأ التمييز بينهما. وكلما كان الأمر مقنعا كلّما كان الكاتب بارعا، إذ لا أصعب من أن تتقمّص شخصًا عليك أن تتبنى قضاءه وقدره ونقاط ضعفه وقوته وانفعالاته وضحكه ودمعه. ثمة دهاليز هنا لا يستطيع الخروج منها سوى الكاتب الحذق فالتطفّل على حياة الآخر _ ولو في الخيال _  قد يعرّضنا لطعنة في القلب لن نخرج منها إلا ثكالى.

 إذ ثمة أشياء لا نستطيع الكشف بالعقل عنها بل بالذوبان فيها، كالأدب مثلا نسقط فيه نحن المتمكنون من لغتنا القابضون على شياطينها، ونظن أن المعاني كلها انفتحت لنا لكن ثمة معابر صغيرة لا تنكشف إلا لمن يكتب بحواسه. الأدب ليس هو القوة بل الحواس التي تلتقط ذبذباته.

كثيرون يعتقدون أن الكتّاب مصابون بالمسّ! لأنهم يعبثون بالحياة قبل أن تعبث الحياة بهم. يخلقون عالمهم وأشخاصهم ويصنعون نوعا من التآلف غير المألوف.

الكتابة عندهم فعل إيمان باليدين اللتين تخلقان الوهم حينا وتشكّكان بالخلق حين آخر. فالخلق هو الجسد والجسد هو الفناء. وكلما أوغلوا زادوا اضطرابا، زادوا غيابا، فهم متلبسون بجنون الفكرة بعبثيتها بامتلائها بعمقها بل وأجرؤ على القول بخطيئتها.. يأخذون نفسا من دخان الحيرة ويزفرونه في كلمات.

*اللوحة لغلان الصفدي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s