عبد العزيز خوجة في “التجربة”: قراءة لعقدين من الديبلوماسية وكشف اسرار لبنانية

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مصطفى العويك

في خطوة نادرة لا يتجرأ كثر في الاقدام عليها، نشر الوزير والسفير السعودي السابق عبد العزيز خوجة كتابا عن مسيرته الديبلوماسية والسياسية والاعلامية تحت عنوان ” التجربة: تفاعلات الثقافة والسياسة والاعلام”، وهو سيرة حياة الرجل الذي عاشر الملوك وكان سفيرهم، كتاب غلب عليه الطابع الروائي والسردي بلغة تشويقية واسلوب سلس يساعدان القارئ في تدبر المعنى، فلغة خوجة سهلة وواضحة، حتى وهو يروي معايشته احداثا مفصلية.

يتألف الكتاب الصادر عن دار “جداول” من ثمانية فصول يتطرق فيها خوجة لمسيرته الحياتية كطفل وشاب ثم كطالب للكيمياء في مصر وبعدها العودة الى الرياض وبدء حياة جديدة كانت المدخل لكلية التربية وعمادتها ومن ثم الى العمل الاعلامي كوكيل لوزارة الاعلام ثم ليكون سفيرا للمملكة العربية السعودية في تركيا، وروسيا بعدها، ثم المغرب ولبنان، وليتوج مسيرته بتولي وزارة الثقافة والاعلام في المملكة.

في الفصل الاول والثاني يسرد خوجة صور حياته الخاصة طفلا وشابا مع اهله وعائلته، ويسهب في الحديث عن والده ووالدته، واجداده، ومدى تعلقه بأشقائه، ومعاناة امه في فقد ابنائها، عن جده لأمه التركي الأصل والمتبحر في الثقافة والادب، وتجارة والده الصغيرة التي لا يدري كيف كان يرسل له من خلالها  النقود الى القاهرة ليتعلم ويتابع تحصيله العلمي.

كانت عائلته عائلة علم وثقافة ولذلك اتيح له منذ نعومة أظافره ان يتواصل مع المشهد الثقافي الذي كان سائدا آنذاك في المملكة، يقرأ كثيرا ويكتب الشعر ويقرأ على جده فينصح بالقراءة أكثر، ويصوب له بعض الابيات، ويثابر على حضور الندوات الثقافية والصالونات الادبية في مكة والطائف، فيرصد الحركة الثقافية والاجتماعية وحتى العمرانية في المملكة عندما يتحدث عن شكل البيوت في تلك السنوات وطرق هندستها، معرجا على الوضع السياسي العام في تلك الفترة وبروز حلف وارسو وتأسيس مجموعة دول عدم الانحياز، انقلاب عبد الناصر على محمد نجيب، كلها تطورات عاشها الخوجة متدبرا متفكرا متأملا، باحثا لنفسه عن دور وحضور لم يصرح عن رغبته بهما.

ويظهر في هذين الفصلين مدى تأثر عبد العزيز بموت والدته ثم والده الذي عندما تلقى خبر وفاته وهو سفير في روسيا في منتصف التسعينيات “لا اعلم مدى الوقت الذي انقضى وانا ممسك بسماعة الهاتف”، وهي علاقة تطغى عليها العاطفة الجياشة وتظهر اهتمام خوجة بمفهوم العائلة وتقديسه لها…وهو ما نجده لاحقا في علاقته مع زوجته واولاده.

في الفصل الثالث “من الجامعة الى الجامعة” يسرد رحلته التعليمية الى القاهرة التي قصدها لدراسة للكيمياء، فلم يوفق وعاد الى مكة بعد ان سحرته القاهرة بكتابها وثقافتها ودور نشرها،  لينضم الى جامعة الرياض كلية العلوم، مفتتحا مرحلة جديدة من حياته قوامها التركيز على الدراسة والمثابرة على حضور الصالونات الادبية والثقافية.

ومن الواضح جدا ان لدراسة الكيمياء تاثير كبير على شخصية خوجة، فهي علمته “احترام خلق الله والارض والكائنات والتأمل في ابداعه العظيم”، ويقول بهذا المجال “عشقت ميكانيكية التفاعل التبديل والاحلال وعرفت كيف اتعامل مع الاشياء والناس حتى قدر الله لي العمل في مجال الاعلام والسلك الدبلوماسي”. 

وفي السنة الثانية من دراسته في الرياض تعرف الى قريبته لناحية أمه فايزة وتزوجها. وابتعث مباشرة الى لندن للتحصيل العلمي، فسافرت معه فايزة التي ستشكل سندا اساسيا له في الحياة وداعما مؤمنا به.

في جامعة برمنغهام سيتعرض خوجة لخديعة كبرى من قبل البروفيسر باركر الذي كان يشرف على الدكتوراه، حيث كتب عن مشكلة العقم لدى المرأة وبعد فترة وجد نفسه منفردا ببعض الاساتذة ومنهم باركر مطالبا بتسيلم كل الاوراق المتعلقة باكتشافه عن مسألة عقم المرأة، ليتفاجأ في اليوم الثاني ان الصحافة نسبت الاكتشاف لهم، لكنه لم ييأس بل استبدل مشروعه الذي سرق منه بمشروع آخر عن الانزيمات في بعض التفاعلات البروتينية وكان ناجحا ولاقى دعما تعويضيا من دكتوره باركر على حد ما يذكر خوجة.

عاد خوجة الى الرياض عام 1970 وعين استاذا في الجامعة، وبعدها عميدا لكلية التربية ثم فجاة عام 1976 عين وكيلا لوزارة الاعلام، ومن هنا بدأت علاقته بالملك فهد بن عبد العزيز الذي اتصل به ليلا معاتبا اياه على اخطاء وردت في نشرة اخبار الاذاعة السعودية، وتوثقت العلاقة بين الطرفين ومع ولي العهد الملك عبد الله وسائر الامراء السعوديين الذين بنى معهم خوجة علاقة مودة وصداقة واحتل لديهم مكانة متقدمة، لم يحظ عليها في الحكم السعودي الجديد.

بداية المشوار الديبلوماسي

كانت سنة 1985 بداية مشوار العمل الديبلوماسي لخوجة سفيرا في تركيا، هناك حيث عمل على توطيد العلاقة بين المملكة وتركيا، وبنى مدرسة لتعليم اللغة العربية بالمنهاج السعودي وكان له حضور طاغ ديبلوماسيا وثقافيا حيث تعرف على الادب التركي والكتاب الاتراك، على الرغم من جو التهديد بالقتل الذي ساد خدمته الديبلوماسية في تركيا حيث تعرض العديد من الموظفين معه لمحاولات اغتيال وقتل احدهم، كما فشلت محاولة اغتياله شخصيا.

خوجة والادب الروسي

وخلال انهيار الاتحاد السوفياتي عين الخوجة سفيرا في روسيا ليكون أول سفير للمملكة في روسيا الاتحادية في ما بعد، وليبدأ هناك مرحلة أساسية في حياته الادبية والثقافية تعرف خلالها على الادب الروسي وقرأه وفنده، واطلع على الحضارة الروسية وابرز الكتاب والادباء، وواظب على لقاء اشبه بالصالون السياسي والثقافي يعقد في دارته في موسكو ويضم نخبة المثقفين الروس والعرب، وهناك ايضا سيكون لخوجة دور اساسي في افتتاح مدرسة تعلم اللغة العربية بمعايير عصرية، وستكون ملاذا لعدد كبير من ابناء الجالية العربية هناك.

طرفة مع الملك: اللهم اجعل يالتسين يضرب البرلمان

ومن أطرف ما يذكره خوجة عن هذه المرحلة انه وخلال محاصرة الرئيس يالتسين للبرلمان الروسي وتهديده بقصف الجنرالات المحتمية فيه، وكان متبقيا نصف ساعة فقط على انتهاء الوقت الذي اعطاه الرئيس لهم للتسليم، وكانت الساعة تشير الى الثالثة فجرا، اتصل الملك فهد بعد مشاهدته لفيديو عن الموضوع على “السي آن آن”، فاستفسر من خوجة عما يجري وعن الوضع، فشرح له وقال اعتقد انه سيضرب بعد نصف ساعة، وانتهت المكالمة، فأتت زوجته لتسأله مع من تتكلم في هذه الوقت وتجزم له ان يالتسين سيضرب؟ فأجابها مع الملك، فبهتت قائلة كيف تقول له ذلك؟ وان لم يضرب؟ فوجد خوجة نفسه في احراج كبير، فقام وتوضأ وصلى ركعتين وراح يدعو: “اللهم اجعل يالتسين يضرب البرلمان”، وبالفعل يومها ضرب البرلمان، وما هي الا لحظات حتى اتصل الملك فهد وقال له:” فعلا ضرب”.

وهذا يدلل على مدى متابعة الملك فهد رحمه الله للاحداث، وكذلك ولي عهده عبد الله والامراء سلمان ونايف وسلطان، وسعود الفيصل، الذين كانوا مهتمين اهتماما بالغا بالثقافة وبالحضور العربي والاسلامي في الخارج، فما ان يطرح خوجة فكرة فيها نفع للعرب والمسلمين ولو كلفت ميارات الدولارت كانت تأتيه الموافقة الفورية من الملك، ويتبرع الامراء من اموالهم الخاصة، هكذا حدث في بناء المدارس خارج المملكة، وفي نشر جريدة الشرق الاوسط التي كان له دور كبير في اطلاقها، وكذلك في اعادة اصدار الجرائد السعودية الداخلية كأم القرى، ومكة.

خوجة والمغرب والاغاني

في الفصل السادس الذي يطغى عليه الادب بشكل كبير يحدثنا خوجة عن خدمته سفيرا للمملكة في المغرب، وعلاقته بالملك الحسن الثاني ومن بعده الملك محمد السادس، وعن جو المغرب الثقافي والدروس الحسينية وانشاد الفنانين المغربيين لقصائده، مكانة المغرب لدى السعوديين، وهي مكانة متقدمة جدا يدلل على ذلك اعتمادها كمركز اصطياف للملك واغلب الامراء الذين بنوا لهم قصورا فيها.

لبنان واسرار مرحلة ما بعد اغتيال الحريري

اما المرحلة الادسم والاكثر اهمية التي تطرق لها خوجة في كتابه كانت عن لبنان، حيث بدأ حديثه باستعراض سريع للوضع السياسي للبنان منذ الطائف الذي انهى الحرب الاهلية بمعية المملكة وسفيرها فوق العادة آنذاك رفيق الحريري، الى التطورات السياسية المفصلية كالتمديد لآميل لحود وصولا الى اغتيال الحريري ودور المملكة في لبنان.

 في سياق الحديث يروي خوجة عن بعض لقاءاته بالسيد حسن نصرالله، وكيف كان يعتبره رجلا صاحب كاريزما وخطيبا مفوها، ثم تبددت هذه النظرة بفعل ثلاث صور: حرب تموز والسابع من ايار واغتيال الحريري، وبطبيعة الحال بعد ثلاث تهديدات بالقتل انقطعت العلاقة المباشرة مع نصرالله.

اذا اقرت المحكمة الدولية سنحرق لبنان

في حديثه يكشف خوجة ان فكرة محكمة غير لبنانية طرحها نصر الله شخصيا الذي طرح عليه انشاء محكمة عربية تتولى مهام التحقيق ي اغتيال الحريري، لكن خوجة رفض انطلاقا من الواقع العربي غير السليم والذي سيجعل المحكمة معرضة لسجالات هي بطائل عنها، فلمعت برأسه فكرة المحكمة الدولية، وطرحها على الملك عبد الله الذي وافق مباشرة ورتبت بعدها كل الامور. عارض الحزب بشده وقال بلسان صريح “اذا قامت المحكمة الدولية سنحرق لبنان”، وهذا ما حدث.

نصرالله: رفيق الحريري وقع وثيقة اعدامه

ويذكر خوجة في اطار سرده للوقائع التي كشف مضمونها للمرة الاولى، ان نصر الله قال له: “ان رفيق الحريري وقع على وثيقة اعدامه حين أمر بنزع سلاح المقاومة سنة 1993، ومن حسن الحظ ان قائد الجيش وقتها آميل لحود لم يتجاوب معه”. كما يذكر ان علاقة نصرالله ببري تحكمها الحاجة والضرورة وهي مستقرة في العلن لكنها ملتهبة في الخفاء، فبلسان نصرالله نقرأ  “لا يمكنني ان استغني عن بري لكنني ايضا لا يمكن ان انسى انه خلال الحرب الاهلية ارسل لي شاحنة معبأة بجثث رجالي”.

أما جنبلاط بيضة القبان الذي يحمل له خوجة الكثير من الود والمحبة وكذلك المملكة، فهو وفقا لقاموس نصرالله “بيضة القبان التي لا يمكن الوثوق بها، لذلك يجب ان يظل مخنوقا على الدوام”.

الملك عبدالله لسعد الحريري: حاذر المحكمة ستجبرك على التنازل

ويشيد خوجة بالرئيس سعد الحريري الذي وجد نفسه مكان أبيه مكملا لمسيرته السياسية والشعبية، ويكابر فيه رفضه الانسحاب من لبنان في 7 ايار يوم طلبت منه المملكة السفر اليها فرد: “سأبقى هنا مع أهلي وجمهوري لآخر نفس”، كما يذكر انه الملك عبد الله عندما عين الحريري رئيسا للحكومة لم يكن مرتاحا على الاطلاق، وقال لسعد: “حاذر لا يمكنك ان تكون رئيسا للحكومة وتطالب باعدام او سجن رئيس دولة آخرى، المحكمة ستجبرك على تقديم التنازلات”.

ويروي خوجة يوم تصدى لنية 8 آذار في اقتحام السراي الحكومي الذي كان يشغله الرئيس فؤاد السنيورة الذي يكثر خوجة من مدحه والاطراء عليه، ويبرئه من اتهام الحزب له انه سرق اموال 2006 التي تبرعت بها السعودية، يقول: “اتصلت بالرئيس بري وقلت له سأقف على باب السراي وليقتحموها على جثتي”، واتصل بعدها بالملك عبد الله واخبره بما فعل فأثنى عليه.

انكفاء الدور السعودي اتاح للحزب سيطرة اكبر على لبنان

من اهم ما يرويه خوجة في “التجربة” ان دور المملكة في لبنان لم يكن مبالغا فيه، وان سياستها لم تكن خاطئة، بل على العكس “لم ينطلق حزب الله الى سورية والعراق واليمن والخليج الا بعد انكفاء المملكة عن لبنان، صحيح ان الانكفاء السعودي كان بسبب اولويات على درجة عالية من الخطورة والاهمية وعلى رأسها حالة مصر بعد ثورة 25 يناير، لكن المملكة انهمكت كليا بالملف السوري من دون لبنان، واعتقد انه لو تمت مقاربة الملفين معا لتراجعت ايران الى حد كبير”.

وبهذا الكلام يؤكد خوجة ان الدور السعودي تراجع في لبنان، ولعل سبب ذلك هو ما شهدته السعودية من تغيير في نهج ملوكها واولياء العهد، اضافة الى الثورات اللبنانية الداخلية، فالملك عبد الله على سبيل المثال بعد اغتيال الحريري استقبل بشار الأسد وغضب عليه كيف يكون له يد باغتيال الحريري فأنكر ذلك لكنه لم يستبعد تورط ضباط من استخباراته فيها، يومها قال الملك عبد الله للأسد: “اما الانسحاب من لبنان او قطع العلاقات مع السعودية”، وهذا يشير الى مكانة لبنان لدى الملك عبدالله، اما اليوم يترك لبنان لمصيره فالامير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة ليس الملك فهد ولن يكون الملك عبدالله.

وزيرا للثقافة ثم متقاعدا قارئا وكاتبا

بعد ذلك يروي خوجة ايام عمله وزيرا للثقافة وهي مرحلة مهمة جدا ليس لخوجة نفسه بل للمملكة بأسرها، اذ سار خوجة بين خطوط النار وعمل على حماية الاعلاميين، واتاحة الفرصة لهم بالتعبير عن آرائهم، واطلق حسابات له على فيسبوك وتويتر ليكون اول وزير يتواصل مع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أعاد احياء الصحف السعودية التاريخية ورتب لها كل مستلزماتها، نشطت الحركة الثقافية في عهده، ولم تعد تصادر الكتب ولا يعتقل الكتاب، وكان يتولى بنفسه الرد على رسائل المثقفين ويسهل امورهم بما يحفظ المملكة والدين.

لذا يحق ان يقال ان نهضة السعودية الثقافية كانت على يد عبد العزيز خوجة، الذي احدث تغييرات بالغة الاهمية والتأثير في مسارات المجتمعات ولم يكن خوجة ليحقق ذلك لو لم يكن يحظى بمكانة مرموقة لدى الملك عبد الله رحمه الله والامراء الذين يقدرون العلم والثقافة ويحرصون على التقدم، ولولا أدبه الجم وسعة علمه واطلاعه وبلاغته وحسن ديبلوماسيته.

  الا ان المملكة في عهدها الجديد لم تقدر خوجة حق تقديره، فما ان وضع الامير محمد بن سلمان يده على البلاد حتى اعفاه من منصبه وعينه سفيرا في المغرب من جديد ثم عندما انتهت ولايته القليلة هناك اعتزل العمل العام وتفرغ للكتابة والقراءة والادب،

فأي صورة للمملكة يريدها الامير محمد بن سلمان ليس فيها قامة كبيرة كعبد العزيز خوجة؟.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s