تعرفوا الى رحلة الشاب “عمر أحمد” من “الكوما” الى “التفوق الدراسي”..

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مطيعة الحلاق

وصلتني  منذ شهر تقريبا صورة على الواتس أب، فرحت بها كثيرا لدلالاتها ومعانيها والرسائل التي تحملها،  هي صورة جمعتني بالشاب “عمر أحمد” بعد أن كتب اسمي على ذلك اللوح الأبيض الصغير الذي اسميته آنذاك “طوق النجاة” لهذا الشاب المميز، والذي جعلته والدته  وسيلة التواصل الأهم لابنها مع العالم الخارجي، لكي يتسنى له استعادة قدراته البصرية والمعرفية والمحافظة على مخزون معلوماته التعليمية.

منذ ست سنوات التقيت بعمر أول مرة (وكان عمره 16 عاماً) في مجمّع الرحمة الطبي بعد تعافيه وإفاقته من الغيبوبة “النباتية” التي بقي فيها لمدة استمرت ستة أشهر كانت حالته خلالها تتطور إلى الأحسن بفضل الله أولاً وإيمان والدة عمر رقية، وبفضل الفريق الطبي الذي كان يشرف على علاجاته بعد عمليه جراحية دقيقة في الرأس خضع لها إثر تعرضه لحادث سير خطير كاد يودي بحياته.

الزميلة مطيعة مع الشاب عمر

مناسبة هذا الكلام اليوم، مرور ست سنوات على الحادث الأليم الذي وقع بعد صلاة ظهر يوم الجمعة 20 رمضان 2014، حيث كان عمر يقود دراجته الهوائية نزولاً على جسر طلعة الخناق، واذ بسيارة تصدمه بعنف من الخلف، عند منتصف الجسر، فترمي به عن الجسر الى الحديقة المجاورة، فيصاب اصابة بالغة في رأسه، أثرت على بصره وسمعه وتركيزه العاطفي – الاجتماعي، اما سائق او سائقة السيارة لاذ بالفرار ولا أحد يعلم عنه أي شيئ حتى كتابة هذه المادة.

يومذاك لم تطلب رقية من الأهل والاصدقاء والمعارف وكل من علم بالحادثة سوى الدعاء والابتهال الى الله ان يشفي ولدها ويعيده لها سالما، مغتنمة ايام رمضان الفضيلة.

عمر مع والدته

عمر..قصة ارادة ونجاح

 تتجلى قصة عمر أحمد اليوم  كمثال حي لنجاح شخصي وعائلي وإرادة أمومية صلبة وحنونة في آن معاً، وتصميم من قبل عمر على المضي في مشوار حياته يوماً بعد يوم.

ليس لأحد ان يتغافل عن كلام والدته: “لم أفقد الأمل والإيمان بالله ولا لحظة، لو أراد الله ان يأخذه مني لأخذه منذ اللحظة الأولى”. وهي تقول دائما ًلقد عاد إليّ إبني من الموت بإذن الله، وكتبت له حياة جديدة كلها أمل بالمستقبل الآتي”.

تتحدث رقية برضى بالغ وبنفس الارادة الصلبة تجاه ابنها الشاب.

لكن من جهة أخرى فإن عمر ومعه أهله يعانون كثيراً في سبيل المحافظة على استمرار استقرار حالته الصحية وعدم الرجوع الى الوراء والسبب في ذلك غياب التغطية الطبية للكثير من العلاجات من قبل المؤسسات الضامنة، مما يضطر العائلة الى تكبد تكاليف باهظة حيث أن والد عمر عسكري متقاعد في الجيش .

زراعة قوقعة سمعية

بعد خروجه من المستشفى بفترة خضع عمر لعملية زراعة قوقعة سمعية في أذنه اليمنى اجراها له الدكتور مارك باسيم وهو اخصائي في زراعة القوقعة، وتحدثت رقية الى “لبنان عربي” عن المعاناة التي واجهتهم “في تأمين القوقعة الاصطناعية والتعليقات السلبية التي تلقتها من قبل الكثيرين بأنها عملية صعبة ولن تنجح”، لكنها كما دائماً هي الأم المؤمنة المسلمة إبنها وأموره الى الله وأنها ستفعل ما عليها تجاه ابنها الشاب والباقي على الله، وهذا ما كان حيث نجحت العملية وبدأ عمر بالتجاوب مع القوقعة بسرعة قياسية، “أول صوت سمعته هو صوت الأذان، أخبرت أمي فوراً وكانت سعادتها عارمة”، يقول عمر لـ”لبنان عربي”.

ومع هذه النتائج المشجعة فهو وان فقد حاسة السمع في الأذن اليسرى فإن القدرة على الكلام والتواصل ما زالا سليمين كما سابقاً وهذا بدا جلياً أثناء حديثه معنا.

عمر: ذكاء وثقافة وثقة بالنفس

عند عودته الى المدرسة، في العام 2016، تمكن عمر من النجاح في صف البريفيه وحصل على المرتبة الأولى بين زملائه في الصف في مدرسة اليازجي الرسمية حيث عبر الاساتذة عن دهشتهم وسعادتهم لهذا، فترفع الى المرحلة الثانوية والتحق بأحد المعاهد المهنية في طرابلس لدراسة الالكتروتكنيك لكهرباء المصانع بما يتناسب مع قدراته وعدم ارهاقه في الدراسة حيث يبرع عمر في مادة المعلوماتية ويجيد استعمال الكمبيوتر، كما قالت والدته وأضافت آسفة: “لقد عانى عمر من التنمر عليه من قبل زملائه في الصف مما أدى الى عدم تمكنه من إنهاء العام الدراسي وإعادة سنة دراسية لكنه تابع وأصر على المضي وهو اليوم في السنة الثالثة ويستعد لتقديم امتحانات شهادة ال BT3في التعليم المهني”.

أما عمر فإن الحديث معه ممتع وطريف فهو يتمتع بروح الدعابة التي لمستها لديه منذ اللقاء الأول (2014) وما زال يحمل تلك الروح، كما أنه من اللافت دفاتره المدرسية المرتبة وخط يده المتناسق والجميل (الصورة).  

قدرة على الكتابة رغم كل ما مرّ به

في الحديث معه اليوم يظهر عمر شاباً طموحاً هادئاً، مدركاً لوضعه تماماً وعارفاً لإمكانياته التي ينظر اليها كأي شاب آخر في مثل سنه: “العديد من الاساتذة في المهنية استغربوا أنني أدرس فرع الإلكتروتيكنيك، انه اختصاص جميل وقد حصلت المرتبة الاولى في العام الدراسي الاول وفي الاعوام التالية حافظت على المراتب الثلاث الاول”.

يهتم عمر بمشاهدة قناة ناشيونال جيوغرافيك ويحب مشاهدة الافلام: “أشاهد أفلام الأكشن والدراما لكنني أفكر بما تهدف إليه المواضيع التي تعالجها هذه الافلام وأحلل كيف يوجهون رسائلهم من ورائها”.

يحب الأصدقاء وهو يحيط نفسه بدائرة واسعة منهم: “أحاول أن أبعث روح التفاؤل والايجابية في كل واحد منهم لكي يتجاوز المشاكل التي يتعرض لها”.

كذلك بالنسبة لأخوته تقول رقية: “يهتم بأخوته ويحبهم ويدافع عن كل منهم إذا أراد أحدنا أنا أو والده مقاصصته أو تأنيبه”.

الحالة الصحية

يتابع حالة عمر الصحية أكثر من طبيب متخصص ويحرص والداه على اطلاع الاطباء على اي تطور ايجابي كما أي تغيير أو طارىء مفاجىء قد يواجهه وقد كان لوفاة جدته اثر سلبي عليه، لكنه كالعادة تجاوز حزنه وتابع مسيرته بطموح وتفاؤل.

الدكتور رشيد عمر

دكتور رشيد عمر

“عمورة شاب مذهل وهو يتمتع بإرادة صلبة وقناعة مذهلة في تقبله لوضعه، وكم كانت دهشتي كبيرة في المرة الأولى التي فتح عينيه بعد غيبوبة طويلة في العام 2014 وتمكن من بلع رشفة من ماء زمزم أسقته إياها والدته”، يقول دكتور رشيد عمر لـ”لبنان عربي” وهو أخصائي في جراحة الدماغ والأعصاب، والذي أجرى العملية الأولى لعمر إثر الحادثة، مراهناً آنذاك على نسبة النجاح التي لم تكن تتجاوز الخمسة في المئة.

يتحدث د. رشيد عن عمر بمحبة مع ابتسامة تفاؤل لما يعكس الروح الإيجابية التي يمتلكها عمر ويصفه بأنه: “أخي الصغير، لقد كان يدهشنا دائماً بتجاوبه الصحي والعلاجي وبإرادته على المثابرة والتطور الإيجابيين، حيث أن العامل النفسي أمر أساسي في أي علاج وقد تكامل العلاج النفسي مع كل العلاجات التي خضع لها منذ البداية”.

يتابع د. رشيد: “بعد سنتين من تاريخ الحادثة أجرينا لعمر زراعة عظمية في الجهة اليسرى من الرأس وكانت العظمة قد تفتفت بشكل كامل وأدت الى بروز تشوه معين في وجهه، وقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً لأننا قررنا زراعة أفضل نوعية متوفرة من المواد الطبية ولم نقم بوضع ما يسمى بالاسمنت الطبي، حيث استقدمنا العظمة البديلة من ألمانيا بعد لجوئنا الى تقنية الأبعاد الثلاثية لتحديد حجم وشكل وأبعاد العظمة التي ننوي زراعتها والتي استغرقت دراستها والتحضير لها مدة 3 اشهر”.

يشدد د.عمر على أهمية الفترة الاولى التي تلت الحادث والنجاح الذي تكللت به نتيجة العناية الطبية الدقيقة التي تلقاها عمر في تلك الايام في قسم الغيبوبة في مجمّع الرحمة الطبي في طرابلس”.   

ويختم د. رشيد رداً على سؤال “لبنان عربي”: “حالة عمر هي من أصعب الحالات التي واجهتها خلال مسيرتي المهنية الطبية فالمدهش استفاقته بعد 6 أشهر كوما وهذا أمر نادر وصعب جداً، لكنه في نفس الوقت من أجمل الحالات ومثال إيجابي على تكامل النجاح عبر الإرادة الصلبة والفضل في النهاية للعناية الإلهية”.

الدكتور بشير أبيض

الدكتور بشير أبيض

ابتدأ د. أبيض (طب وجراحة العين) حديثه مع “لبنان عربي” بالإشادة: “بإصرار والدة عمر والدعم من قبل والده، فهي لم تترك ابنها أبداً ولم تفقد الأمل، وهي التي دفعته الى مواصلة دراسته ليصبح فرداً فاعلاً في المجتمع، عندما عاينت عمر للمرة الأولى كان يعاني من التهاب جرثومي في العين سببه تضرر دماغي كبير، فبدأنا رحلة طويلة مع العلاج وقمنا في مستشفى الجامعة الاميريكة في بيروت بتركيب قطرات طبية للعيون خاصة بحالته، وتكلل العلاج بالنجاح حتى وصلنا اليوم بفضل الله والعناية الطبية المركزة، الى أن عمر يعتمد  في النظر على هذه العين بالتحديد بشكل أكبر وهو أكثر ما يدعو للفخر والاعتزاز بما تم انجازه”.

الاخصائية بيوتي حريز

أخصائية النطق بيوتي حريز

“عمر شاب قوي جداً وكذلك والدته وهما يمتلكان إيماناً كبيراً”، تقول السيدة بيوتي حريز أخصائية نطق تخصص سمع ولغة لـ”لبنان عربي”، وتتابع “وقد أحاطته والدته بأفضل الاطباء والعلاجات، فبعد قيام دكتور مارك باسيم بزراعة القوقعة وهو من أفضل المتخصصين في لبنان بهذه الزراعة الدقيقة بدأنا رحلة العلاج الذي يتطلب مراحل متتالية في برمجة جهاز القوقعة ليتمكن عمر من استعادة سمعه شيئاً فشيئاً وكم كانت دهشتي كبيرة عندما اتصلت بي والدته بعد يومين لتخبرني انه استطاع تمييز صوت الأذان، وتختم حريز :”ما ساعد في تسريع العلاج واستجابة عمر للتدريبات على استعمال القوقعة هو تأمين ميكروفون لاسلكي وصل بها، لأساتذة الصف ليتمكن عمر من فهم الدروس بشكل صحيح، مما أزال مخاوف الجميع حول مدى تمكن عمر من متابعة الدراسة”.

طموح لا ينضب

تردد السيدة رقية دائماً: “الحمد لله  جميع الاطباء والأخصائيين الذين أشرفوا سابقاً على حالة عمر والذين يتابعونه اليوم هم من خيرة الاطباء ليس فقط على الصعيد المهني بل  أيضاً على الصعيد الإنساني”.

 أما عمر فيختم حديثه لـ”لبنان عربي” بنفس روح التفاؤل: “بعد انتهاء مرحلة التعليم المهني سأتابع الدراسة في هندسة المعلوماتية”.

يعطي هذا الشاب نموذجا شديد الاهمية عن الارادة القوية والصبر والتحدي، وكم نحتاج لها في ايامنا العجاف هذه، حيث وحدها الارادة المؤمنة تقينا الضلال الوطني والاجتماعي والسياسي والانساني. عمر حالة فريدة، فرادتها في قوة أهلها جهد الاطباء الصادق، وحفظ الله له.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s