مرحلة الشيخوخة نصر أم مأساة؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – الدكتور احمد العلمي

هناك لائحة من المخاطر الكونية تهدد العالم: الأسلحة النووية، الكيماوية والبيولوجية، الإرهاب، إنتشار فيروسات جديدة مميتة، تغيير كبير في الطقس.

لكن هناك أيضا خطر داهم بدأ التنبه له، هو مشكلة التقدم في العمُر التي بدأت بالظهور في العالم الصناعي. فدول العالم بدأت تشهد ازديادا متسارعا لأعداد المسنين وانخفاضا في نسبة الشباب، فالأرض لم تشهد في تاريخها عددا مماثلا من المعمَّرين، وحسب منظمة الصحة العالمية  هناك (٦٦ مليون) شخص تتراوح أعمارهم بين (٨٠ إلى١٠٠ سنة) في العالم حاليا. كما من المتوقع أن يصل عدد المسنين والكبار مجتمعين سنة (٢٠٥٠) إلى (٢،١ مليار).

وإذا كان عدد الجدود حاليا أكبر من عدد الأحفاد، فمن المتوقع حسب منظمة الصحة أن يزيد التفاوت بين الكبار والصغار ليبلغ الضعف.

                       أسباب ارتفاع معدل عمر الإنسان:

يرتبط ارتفاع معدل مرحلة الشيخوخة بعوامل ثلاثة تتفاعل فيما بينها:

– العامل الأول هو زيادة معدل عمر الإنسان، متوسط العمر حسب منظمة الصحة العالمية (٨٤ سنة).

– ثانيا إنخفاض نسبة الخصوبة إلى أكثر من النصف (سنة ١٩٦٠ من ٥ أطفال للمرأة إلى طفلين حاليا).

ويتوقع خبراء من جامعة هارفرد أن تستمر ظاهرة العائلات القليلة العدد والأعمار الطويلة، كما يتنبأون بأن العام (٢٠٥٠) سوف يشهد وجود ٣ أميركيين يتجاوز سنهم الستين، مقابل كل ولد لم يبلغ الرابعة من العمر.

واعتبر المختصون أن تحول  نسبة كبيرة من السكان من منتجين إلى مستهلكين هو أحد سلبيات الشيخوخة التي ستؤثر بشكل كبير على قدرات المجتمع الإدخارية، لهذا كانت دعوتهم إلى إعادة النظر في البرامج والعقود الإجتماعية وتعديل الضمان الإجتماعي، حتى إنه وفي احتفالية للأمم المتحدة باليوم العالمي للمسنين في أول اوكتوبر من كل عام كان موضوع اليوم العالمي لسنة (٢٠١٩) هو «رحلة إلى المساواة بين الفئات العمرية»، وهذا العنوان  يستوجب قراءة ما بين سطوره وخلفها  لما يحمله من خطورة في حق هذه الفئة، وهي رؤية يروم تحقيقها سنة (٢٠٣٠)، ومن أبرز مضامينها :  التنبيه إلى «خطورة الأستمرار في تقديم المليارات على خدمة الرعاية الخاصة بالعجزة والمسنين والتي وصل حجم الإنفاق عليها (٤،٣%) من الناتج المحلي، وهي ميزانية مرهقة لهذه الدول، ولا يمكن الإستمرار بها، لهذا ستبدأ الدول الأوروبية بالإستغناء عن الرعاية الرسمية، حيث ستسعى إلى جعل الرعاية أسرية»، مبررة اقتراحها بأنه أكثر جدوى وفائدة لكبار السن، كما أنها تقلل التكلفة الإجتماعية.

لهذا  كان هناك الكثير من الإتهامات الموجهة إلى الدول حول الإخلال بواجباتها والتزاماتها في تقديم المساعدات الطبية اللازمة لدور رعاية المسنين والعجزة، وخصوصا أثناء ظهور وباء الكورونا الذي كان أبرز ضحاياه (أكثر من ٩٠ بالمئة) من المسنين القاطنين في دور الرعاية.

فهل تنجح الآن التشريعات التي تقضي بالحد من تقديمات المتقاعدين والمسنين بعد أن سبق وأُلغيت سنة (١٩٩٥) تحت ضغط الفئات التي ترعى مصالح المسنين؟؟

 نذكر أنه في أميركا وحدها ما يقارب الـ (٦٠ مليون) عضو في الجمعية الأميركية للمتقاعدين، ولها ألوف الموظفين يعملون للدفاع عن حقوق المتقاعدين، وهي تشكل قوة إنتخابية ضاغطة على مسار الحكومات.

كل هذا الصراعات؛ الخفية أحيانا والظاهرة أحيانا أخرى؛ أشارت بوضوح وكما توصل فريق من الباحثين في جامعة (يال) إلى أن فكرة الشيخوخة قد أصبحت مضعفة للمعنويات في عالم الغرب، إذ حملت الحضارة الصناعية الأذى للمسنين أكثر من أية فئة أخرى من الناس على الصعيدين: الجسدي والنفسي، فهم الفئة الأولى التي يتم تسريحها من المصانع، كما أنهم آخر من يتلقى أي نوع من الضمان الإجتماعى، حتى إنه في عام (١٩٧٥) كتب إختصاصي أميركي في علم الشيخوخة عن (مأزق العمر الثالث) معتبرا أنه (مأساة).

فالشيخوخة ليست فقط عملية بيولوجية بحتة تظهر آثارها في التغييرات الفيزيائية والفسيولوجية التي تطرأ على الفرد حين يصل إلى السن المتقدمة، وإنما هي بالإضافة إلى ذلك ظاهرة إجتماعية تتمثل في توقع المجتمع منهم أن يتبعوا أنماطا سلوكية معينة يحددها المجتمع  ولا يستطيعون الخروج عليها خشية التعرض للجزاءات الإجتماعية القاسية، وبخاصة  سخرية المجتمع واستهزائه بهم، وهذا كله يؤدي بطبيعة الحال إلى آثار نفسية عميقة تنجم عن الشعور بالوحدة والكآبة والإحساس بعدم الجدوى بعد تقاعدهم.

إذن بالإمكان القول: إن النفور من (العمر الثالث) ينطوي على الإرتياب بخصوص الأمر الجيد الوحيد الذي أعطانا إياه العلم والتكنولوجيا: حياة أطول وأكثر صحة لعدد متزايد  من الناس. وهذه النتيجة هي منطق التقدم الحقيقي للتزايد الفائق للإكتشافات، والعمل العظيم الذي يقوم به العلماء والقائمون على الصحة العامة (وهؤلاء برأيي هم من سيكون قادة المستقبل بعد بروز دورهم الرائد في مواجهة وباء الكورونا).

من هذا المنظار لا تعود الشيخوخة مسألة نفقات بل منفعة دفعنا ثمنها لجعل الحياة أكثر أمانا وصحة.

مرة جديدة نقول: إننا إذا تحررنا من الأفكار المقولبة حول الشيخوخة فبإمكاننا أن نبدأ برؤية (خبرة) مواطنينا المسنين على أنها إحدى مصادرنا الطبيعية التى بإمكاننا استغلالها، ويمكننا أن نفكر مثلا بأنه لو عاش(أينشتاين) ٢٠ سنة أخرى أو أكثر فما كان جنى العالم من خبراته ومواهبه؟

الأمر إذن بحتاج إلى إعادة النظر في دور المسنين في المجتمع الإنساني وما يمكن أن يسهموا به في تقدم المجتمع.

بهذه الطريقة نستطيع أن نخفف كثيرا من الآثار السلبية للشيخوخة حين يشعر هؤلاء المسنون أنهم لا يزالون يلعبون دورا في  حياة المجتمع وأن المجتمع لا يزال يحتاج إلى خدماتهم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s